بقلم: سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك فيه المصالح، يصبح الإعلام أكثر من مجرد ناقل للخبر بل يصبح شريكًا في تشكيل الوعي، أو في تضليله.
وللأسف، ما نشهده اليوم في كثير من المنابر الإعلامية، ليس انحرافًا بسيطًا في الأداء، بل تحوّلًا خطيرًا في الدور والوظيفة.
فبدل أن يكون الإعلامي شاهدًا على الحقيقة، نراه في حالات كثيرة وقد نصّب نفسه ناطقًا باسم هذه الدولة أو تلك، أو مدافعًا عن هذا المحور أو ذاك… يبرر، ويبرمج، ويعيد إنتاج الخطاب السياسي، وكأنه جزء من ماكينة الدعاية لا من منظومة الوعي.
وهنا، لا يعود السؤال:
ماذا قال الإعلامي؟
بل:
لمن يتحدث؟
وباسم من؟
ولماذا؟
إن الإعلامي الذي يفقد استقلاله، يفقد جوهر مهنته.
لأن الإعلام، في أصله، ليس موقعًا في الصراع…
بل موقعًا فوقه،
يراقبه،
يحلله،
ويفككه.
الإعلامي الحقيقي لا يكون تابعًا، ولا متحدثًا باسم سلطة،
ولا صدى لقرار سياسي…
بل يكون صوتًا للحقيقة، حتى حين تكون مكلفة، ومزعجة، وغير مرغوب بها.
لقد بات واضحًا أن بعض من يُقدَّمون على أنهم “محللون سياسيون”، لا يمارسون التحليل بقدر ما يمارسون الترويج.
يختارون من الوقائع ما يخدم روايتهم، ويتجاهلون ما يناقضها، ويقدّمون الرأي على أنه حقيقة، والانحياز على أنه قراءة موضوعية.
وهذا لا يضلل الجمهور فقط…
بل يُفسد وعيه، ويشوّش قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات، ليس اختلاف الآراء… بل غياب الحقيقة.
ومن هنا، فإن مسؤولية الإعلامي اليوم أكبر من أي وقت مضى.
فهو ليس مجرد ناقل للحدث، بل حارس للوعي العام.
وحتى نعيد للإعلام مكانته، لا بد من العودة إلى أسسه الأولى:
_الصدق قبل السبق
_الحقيقة قبل الانحياز
_السؤال قبل التبرير
_والضمير قبل المصلحة.
إن الإعلام الذي يفقد حياده، لا يصبح إعلامًا منحازًا فقط…
بل يفقد قيمته بالكامل.
لأن الناس، في نهاية المطاف، لا تبحث عمّن يتحدث كثيرًا…
بل عمّن يقول الحقيقة.
وفي زمن الضجيج،
تبقى الحقيقة وحدها…
هي الصوت الذي لا يمكن تزويره.
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”


















Discussion about this post