مطلبنا ليس فقط أن تُفتح أبواب القيامة والأقصى، بل أن تزول أسوار الفصل العنصري والبوابات والحواجز العسكرية التي تمنع الإنسان الفلسطيني من الوصول إلى القدس.
نعيش في أوقات عصيبة، وفي ظل حرب أليمة لا يمكن قبولها أو تبريرها بأي شكل من الأشكال.
كنا نتمنى ألّا تبدأ هذه الحرب، واليوم نتمنى أن تنتهي، وأن تنتهي قريبًا وسريعًا، حقنًا للدماء ووقفًا للدمار.
العالم كله منهمك بهذه الحرب، ولكن هنالك قضية منسية يتجاهلها البعض أو يتناسونها، وهي قضية الشعب الفلسطيني العادلة، وتحديدًا مأساة غزة المروعة التي تعيش نكبة جديدة ومتجددة ومتواصلة.
صحيح أن مسألة الحرب هي شأن في غاية الأهمية، ولكن لا يجوز لأي شأن أن يؤدي إلى حجب القضية الأولى، و هي أنبل وأعدل قضية الا و هي قضية شعبنا الفلسطيني، ولا يجوز نسيان أو تهميش ما يتعرض له أهلنا في غزة الذين عاشوا حرب الإبادة وتداعياتها المأساوية والكارثية.
الفلسطينيون جميعًا مستهدفون في كافة تفاصيل حياتهم، وهنالك سعي حثيث لتهميش القضية الفلسطينية العادلة، بل وتصفيتها وشطب وجود فلسطين من على الخريطة، وهذا ما يقوله المتطرفون الإسرائيليون بوضوح، والذين شرّعوا عقوبة الإعدام بحق الأسرى، في حين أن عقوبة الإعدام مُطبّقة منذ زمن، وهناك من أُعدموا ومن تم اغتيالهم وقتلهم بدم بارد دون أي ذنب وبدون أي محاكمة، وكأن الفلسطيني هو متهم، ومجرد أن تكون حاملًا للاسم الفلسطيني أنت متهم، ولا يحق لك أن تعيش وأن تنعم بالحياة.
إن الحديث عن الحرب وتداعياتها لا يجوز أن يُحرّف البوصلة عن معاناة شعبنا، سواء كان هذا في غزة أو في الضفة، أما القدس فحدّث ولا حرج، فالفلسطينيون يُعاملون فيها وكأنهم غرباء في مدينتهم، في حين أن الفلسطيني يعتبر القدس عاصمة روحية ووطنية له.
القدس تمرّ باخطر حقبة من تاريخها، فكنا دائمًا نقول إن القدس في خطر، لكنها اليوم أمام مأساة وكارثة غير مسبوقة، حيث يتم استثمار الحرب والإجراءات الاحترازية المتخذة بسببها من أجل فرض وقائع وحقائق جديدة على الأرض.
يريدون قدسًا يكون فيها الحضور الفلسطيني المسيحي والإسلامي مهمشًا.
ونحن، في الوقت الذي ننادي فيه بفتح أبواب كنيسة القيامة، وخاصة في هذه المواسم المقدسة، فإننا ننادي بأن يُفتح المسجد الأقصى، والمؤسسات الدينية في القدس حريصة أيضًا على سلامة وأمن المصلين في ظل هذه الأوضاع الخطيرة.
القدس في خطر شديد، وفلسطين كلها في خطر شديد، وهناك استغلال للحالة العربية الراهنة والانشغال العالمي بالحرب الدائرة من أجل تهميش هذه القضية، وحجب الأنظار عن معاناة شعبنا وآلامه وأحزانه، وخاصة في غزة المنكوبة والمظلومة والمتألمة.
المسيحيون في هذه الديار يعانون كما كل الشعب الفلسطيني، والحواجز الاحتلالية في الضفة الغربية تقف حائلًا أمام الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، لكي لا يتمتعوا بحرية الوصول إلى القدس وإلى مقدساتهم.
مطلبنا ليس فقط أن تُفتح أبواب كنيسة القيامة والمسجد الأقصى، فهذا أضعف الإيمان، بل مطلبنا أن يزول الاحتلال، وأن تزول المظاهر الاحتلالية العنصرية، وأن تختفي أسوار وحواجز وبوابات الفصل العنصري، لكي يتمكن الفلسطيني من ممارسة حقه المشروع في الوصول إلى القدس، حاضنة العراقة والتاريخ والأصالة.
غدًا هو سبت إقامة اليعازر، ويوم الأحد هو أحد الشعانين، حيث نستذكر دخول السيد المسيح إلى المدينة المقدسة، ويبدأ بعده أسبوع الآلام وصولًا إلى السبت العظيم المقدس وأحد القيامة المجيد.
في هذه المواسم المقدسة والشريفة، والتي ترتبط بالقدس، نناشد الكنائس المسيحية في العالم أن تقوم بدورها المأمول في الدفاع عن القدس ومقدساتها، وفي الدفاع عن شعبنا الفلسطيني المظلوم، الذي قضيته ليست شأنًا سياسيًا فحسب، بل هي شأن إنساني بامتياز وأخلاقي أيضًا، ومن واجب المسيحيين في كل مكان أن يناصروا هذه القضية العادلة، وأن ينادوا برفع المظالم عن شعبنا المظلوم والمنكوب.
صلّوا من أجل مدينة القيامة ومن أجل مقدساتها، وصلّوا من أجل شعب هذه الديار الذي يعيش المظالم في كافة تفاصيل حياته.
صلّوا من أجل المسيحيين في هذه الأرض، الذين تراجعت أعدادهم بشكل دراماتيكي، فأرض الميلاد والقيامة والنور تتراجع فيها أعداد المسيحيين يومًا بعد يوم وبشكل غير مسبوق، بسبب ما يتعرض له شعبنا من مظالم.
لا نريد للحضور المسيحي أن يختفي في هذه الأرض كما و في هذا المشرق، فهنالك مؤامرات تستهدف المسيحيين في منطقتنا، وإن تعددت الوجوه والألقاب والمسميات، إلا أن المشغّل واحد، والمستفيد واحد أيضًا.
القضية الفلسطينية هي قضية الأحرار في عالمنا، ومن واجب كل إنسان حر أن يدافع عن هذه القضية وأن يتبناها.
وعشية سبت اليعازر وأحد الشعانين، نرفع الدعاء والصلاة مجددًا من أجل أن تتوقف الحرب الدائرة حاليًا، والتي لا يستفيد منها إلا تجار الحروب، والذين بالنسبة إليهم النفط والغاز أهم من الدماء البشرية المسفوكة فلا يوجد ما هو أهم من الدماء البشرية، ولا يوجد ما هو أهم من كرامة وحرية الإنسان وعيشه الكريم.
فلتتوقف الحرب، ولتتوقف سياسة تهميش القضية الفلسطينية، وما يحدث في غزة من معاناة وآلام وأحزان ليست أحداثًا عابرة أو أخبارًا عاجلة، بل هي معاناة شعب يستحق أن يعيش حياة أفضل.
نرفض الحروب بكافة أوصافها ومسمياتها، ونرفض الجرائم بحق الإنسانية حيثما كانت وأينما وجدت، وننادي بالسلام في كل مكان، ووقف الحروب والنزاعات المسلحة في كل مكان.
وأولًا وقبل كل شيء، نصلي من أجل السلام في هذه الأرض المقدسة التي تنزف دمًا، ونصلي من أجل تحقيق العدالة فيها، لكي يعيش الإنسان الفلسطيني بأمن وأمان وسلام في وطنه وفي أرضه المقدسة.
المطران عطاالله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 3 نيسان 2026

















Discussion about this post