مجسات صدئة!!
مسرحية
شوقي كريم حسن
/مكان التجسيد/.
: ساحة إعدام مهجورة، تتغير ملامحها بين مشهد وآخر كأنها بين الواقع والحلم.
/زمن التجسيد)
متداخل، لا زمن واضح، المشاهد تعيد نفسها بحتمية مأساوية. وبأزمنة لا تتشابه،،)!!
شخوص التجسيد
**كوركيس،،جندي في فرقة الاعدام
** الضابط،،مسؤول فرقة الاعدام
**بهنام،،جندي محكوم عليه بالاعدام،
***مجموعة جنود فرقة الاعدام،
⸻————-
المشهد الأول
( ضوء خافت يتسلل، نابع من شعلة بعيدة. تظهر : أعمدة إعدام مرتفعة، حبال تتدلى كأطياف موتى ينتظرون دورهم. أصوات أقدام ثقيلة تقترب.)
صوت الضابط (من خلف الظلام، )
أيها السادة، لا أسئلة! الأوامر تُنفَّذ، لا تُناقَش. الذخيرة زائدة اليوم، والحرب تحتاج إلى معدة فارغة، لكننا نُطعِمها بأجساد أولئك الذين فقدوا شهيتهم للقتال.
(يشتد الضوء، ليكشف عن مجموعة من الجنود، يقفون وضع الاستعداد، عيونهم شاخصة نحو الساحة. أمامهم، خمسة شباب مقيدين إلى الأعمدة، رؤوسهم منخفضة، كأنهم موتى مؤجلون.)
كوركيس (يهمس لنفسه، مذعورًا، يحاول السيطرة على أنفاسه يتلو بصوت خافت، كأنه تذكار النجاة الوحيد)“السائرون في الظلام أبصروا نورًا عظيمًا، والجالسون في أرض الموت أشرق عليهم النور.”
(صوت الضابط يرتفع)النار، يا كلاب الحرب، هي سرُّ خلودكم… لا تترددوا، لأن المرتبكين يذهبون إلى الجحيم!
كوركيس (يرفع بندقيته، لكنه يشعر أن يديه تجمدتا، و الدم في جسده تحول إلى حجارة، ينظر إلى المقيدين، يرى وجهًا مألوفًا، وجهًا كأنه يُشعل روحه بالخوف.بهنام (المقيد إلى أحد الأعمدة، يرفع رأسه ببطء، عينيه مغرقتين بصمت طويل):
——كوركيس…اااا ؟!!
(كوركيس يتراجع، يرتعش، كأنه رأى شبحًا. الأصوات حوله تتلاشى، لم يعد يسمع سوى دقات قلبه المتسارعة.)
كوركيس (يهمس، كأن الحروف تتحطم على لسانه):
—-هذا ليس حقيقيًا… هذا ليس سوى وهم ؟!!
بهنام (يبتسم، ابتسامة مُرّة، ابتسامة رجل عرف أن العدالة محض وهم):
—ألم أقل لك إن الحرب تعيدنا إلى حيث لا نريد.. ما من حرب قدمت الإنسان الى امام!!
كوركيس (مشلول، يحدق إلى بندقيته ، وكأنها أفعى تلتف حول معصمه):—-لا… لا… لا يمكن…عقلي
يهرب مني،،، لعبة غريبة هذه التي أعيش؟!!
الضابط (يضحك ببرود، يتقدم، يضع يده على كتف كوركيس، كأنما يباركه بالموت):ما الأمر، أيها الجندي؟ أهذا واحد من أقربائك؟ الحرب لا تعترف بالدم، إنها تعترف بمن يضغط الزناد أولًا.
بهنام (يهمس، صوته يزلزل روح كوركيس)“من أراد أن يكون الأول، فليكن خادمًا للجميع…!!
كوركيس (عيناه تمتلئان بجنون اللحظة، يرتعش، ينظر إلى الضابط، ثم إلى الجنود الآخرين الذين ينتظرون الأوامر، كأنهم مسوخ بلا إرادة):أنتم لا تعرفون ما تفعلون…؟!!
الضابط (يضحك بصوت جاف)بل نعرف. نحن نعيد ترتيب العالم، نصحح الأخطاء التي ارتكبها الاشرار
نحن ميزان لا يخطأ أبداً!!
بهنام (بصوت هادئ، كأنه يضع قلبه في يد أخيه): كوركيس… أخي هل تقتلني.. هل تريق دمي من أجل أكاذيب يحاولون الإرتقاء بها من أجل
امجادهم؟!!
(صمت ثقيل،. كوركيس ينظر إلى أخيه، إلى البندقية، إلى الضابط… يدرك أنه في لحظة لا مخرج منها سوى الجنون أو الخيانة أو الموت.)
كوركيس (يغمض عينيه، يرفع بندقيته… لكن… بدلًا من التصويب على بهنام، يلتفت بسرعة، يطلق النار على الضابط، رصاصة واحدة تخترق الصمت، ثم يلتفت نحو الجنود، يصرخ كمن يحرق نفسه بالنار ذاتها): لسنا آلهة الموت،، ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه.!!
بهنام/( يردد ببطء)أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم.!!
(فوضى، صراخ، الجنود يترددون، بهنام يحدق بأخيه بدهشة، الضابط يسقط، كوركيس يسقط على ركبتيه، يضحك بجنون.)
كوركيس (بصوت مشبع باليقين، يرفع رأسه إلى السماء):“يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون…”ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه.!!
(إظلام.)
⸻
المشهد الثاني:
/الزمن المشوّه:
( ضوء خافت متقطع، . كوركيس يجلس على الأرض، بندقيته بعيدة عنه، عيناه مفتوحتان على اتساعهما، كأنهما عالقتان في الفراغ. الجنود يختفون واحدًا تلو الآخر، كأنهم لم يكونوا هنا أبدًا. بهنام يظل في مكانه، مقيدًا، مبتسما، كأنه لم يعد يرى أي خطر.)
كوركيس (بهمس، ): هل أنا ميت ..أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيًا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد.!!
بهنام (بهدوء يشبه همس الريح): ربما… ربما لا… أحيانًا نموت قبل أن نعرف أننا متنا.
(كوركيس يضحك ضحكة مختنقة، يمرر يده على وجهه، يضغط على عينيه كأنه يريد اقتلاع الحقيقة منهما.)
كوركيس (بصوت متهدج)لا… لا يمكن… أطلقت النار… رأيت الدم… رأيت… الموت يلاحق الرصاص،،
بهنام (يقاطعه، بصوت يشبه صوتًا قديمًا، مألوفًا لكنه غريب):هل رأيت الدم؟ أم أنك كنت تنظر إلى ظلك؟
(كوركيس ينظر حوله، المكان ليس كما كان قبل لحظات… لم يعد هناك أعمدة، لا توجد جثث، لا يوجد سوى فضاء فارغ، وسماء بلا ملامح. ينهض مترنحًا، يلتفت إلى بهنام، ل يراه حرًا، بلا قيود.)
كوركيس (بذهول):ماذا… ماذا يحدث؟
بهنام (يقترب منه، يضع يده على كتفه كما يفعل الأخ الأكبر عندما يريد أن يخبر أخاه بسر):كوركيس، هل تعرف لماذا نحن هنا..هل فكرت بأهمية
موتنا بالنسبة لهم،،(يقرأ ببطء) • “في بيت أبي منازل كثيرة، ولو لم يكن كذلك لكنت قد قلت لكم. أنا أمضي لأعد لكم مكانًا.!!
كوركيس (ينظر حوله، كأنه تائه في حلم قديم) لأن الحرب ابتلعتنا… لأن أحدًا لم يسأل لماذا نقاتل، فقط قالوا لنا: “احملوا السلاح. واهتفوا باناشيد
تمجد بطولاتهم الكاذبة!!
بهنام (بابتسامة باهتة، كأنه سمع هذه الجملة من قبل آلاف المرات):لا، نحن هنا لأن أحدًا قرر أن نكون هنا… نحن مجرد بيادق على رقعة شطرنج أحدهم نسي تحريكها. ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟؟؟
كوركيس (يضحك بسخرية، يرفع يديه إلى السماء كأنه يتحدث مع إله صامت): إذًا، من يكون هذا “الأحد”؟ الله؟ الضابط؟ الجنرال؟ أم تلك الأيدي التي تصنع البنادق وتقرر من يعيش ومن يموت؟
بهنام (بصوت أشبه بصدى بعيد):أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله…”
كوركيس (يتهدج صوته، يكاد ينكسر، يحدق في أخيه)لكن قيصر سرق كل شيء… وترك المعابد خاوية إلا من أصداء الركوع، والصلوات التي لا تصل!!
(صمت ثقيل. ثم،، ضربة طبل بعيدة، كأن صوت الحرب عاد ليحاصر المكان. الأرض تهتز، يدا كوركيس ترتجفان. بهنام يختفي للحظة، ثم يظهر ثانية، لكن هذه المرة يرتدي زي الضابط الذي قتل قبل قليل.)،
كوركيس (يتراجع، مذهولًا، يرفع إصبعه مشيرًا إلى بهمام):لا… لا… لا تفعل هذا بي!
بهنام (بصوت الضابط، لكنه بنبرة مشبعة بالسخرية):أيها الجندي، الأوامر واضحة: أَطلِق النار، أو تُطلَق عليك.،،اقتل قبل ان تقتل،،!!
كوركيس (ينحني، يمسك رأسه، يصرخ بحرقة):لا،، لا تقتل، حتى لو كنت مقتولًا سلفًا… فثمة موتٌ أشنع من الفناء، أن تفقد ذاتك وأنت تحيا.
(ضوء أحمر يغمر المكان، صدى طلقات نارية يتكرر كأنه لا ينتهي أبدًا. كوركيس يسقط على ركبتيه، أنفاسه تتسارع، يرفع رأسه، يجد نفسه في الساحة من جديد، الجنود عادوا، بهنام ما زال مقيدًا، والضابط ما زال حيًا، ينظر إليه بابتسامة باردة.)
الضابط (بهدوء مرعب):هل انتهيت من أحلامك، أيها الجندي؟
(كوركيس ،يتلمس بندقيته الباردة، كأنها لم تُطلِق رصاصة واحدة. يتلفت حوله، الجنود في أماكنهم، بهنام في مكانه، لا شيء تغيّر… لكن في داخله، شيء ما تهدم تمامًا.)
كوركيس (بهمس، لنفسه، كأنما اكتشف السرّ الأعظم):نحن لا نموت… نحن نعيش نفس الموت مرة بعد مرة…“نحن نموت مرة بعد مرة… لكننا لا نُدفن، نمشي بأجساد مثقلة بالقبور، نحمل أسماءً لم تعد تشبهنا، ونبتسم كمن يساوم الموت على مهلةٍ أخيرة.!!
(. صوت الريح يصفّر كأن صحراء بعيدة تصرخ في العتمة. ثم ضوء خافت يكشف كوركيس واقفًا وسط الفراغ، البندقية متدلية من يده. أمامه، بهنام يبتسم، مقيدًا، لا يبدو خائفًا. الضابط يقف في الخلف، مراقباً بصمت.)
كوركيس (بصوت منخفض، يحادث نفسه):كيف ينظر لي بهذه الطمأنينة؟كيف لا يخاف؟كيف لا أرتجف أنا؟
(بهنام يضحك، ضحكة خافتة تملأ المكان كأنها تأتي من العدم.)
كوركيس (بحدة):لماذا تضحك؟ هل جننت؟
بهنام (بصوت ، كأنه يهمس إلى الأبدية): لا… لقد أدركتُ شيئًا، الموت ليس أن تُسلب روحك، بل أن تُسلب قدرتك على قول “لا” في وجهه! أليس هو من قال: “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟” لا، يا كوركيس، الخسارة الحقيقية ليست في موت الجسد، بل في أن نصبح ظلالًا تحيا بلا روح، عبيدًا للخوف، بيدقًا في يد قاتل لا يؤمن إلا بالموت.!!
كوركيس (يقترب خطوة، كأن شيئًا يشده رغماً عنه):وبماذا يفيد ادراكك؟!
بهنام (بنبرة ثابتة، كأنه يُلقي بيانًا نهائيًا): أنني لن أموت اليوم.،،!!
(صمت. كوركيس ينظر إلى أخيه، ثم إلى الضابط، ثم إلى الجنود الذين يصطفون كتماثيل حجرية. كل شيء يبدو جامدًا، .)
الضابط (ببرود): ايها الجندي كوركيس عوديشو… نفّذ الأمر. دون تردد او خوف،،والا اتهمتك بالجبن والخوف والخيانه!!
(كوركيس ينظر إلى بندقيته، يرفعها ببطء. . أنفاسه تتسارع، يحدّق في وجه أخيه، المبتسم بثقة، كأنه لا ينتظر الموت بل ينتظر خلاصًا آخر.)
بهنام (بهدوء عميق):لأن من أراد أن يخلّص حياته يهلكها، ومن يهلكها من أجلي يجدها.!!
(كوركيس يتشنج، يضغط على الزناد باصابع مرتجفة. الرصاصة لا تخرج. .)
الضابط (بهمس قاسٍ)نفّذ الأمر… أو اوقفك بدلاً عنه.،،،الخيار لك،،رصاصة
منك اليه تعيد لحياتك مجدها!!
( يلتفت إلى الضابط، يراه وقد ارتدي زي الإعدام، يقف في مكان بهنام، الجنود أصبحوا أشباحًا بلا وجوه. يصرخ، يرفع البندقية، يوجهها إلى رأسه.)
كوركيس (بصوت مختنق، مرتجف لكنه صارم):أنا… لا أقتل.
(إظلام مفاجئ. صوت طلقة واحدة. ثم صمت طويل.إضاءة خافتة: كوركيس ملقى على الأرض، البندقية بعيدة عنه، لكن ليس هناك دم. بهنام يقف أمامه، حرّ، دونما قيود. ينحني إليه، يضع يده على جبينه، يهمس بهدوء.)
بهنام/والآن… استيقظ.،،،لكم تستهويك مثل هذه اللعب المقيتة
(إظلام .)
المشهد الاخير
(لعنة التكرار)
(. صوت رياح تعوي في الفراغ، كأنها أنفاس الجنود الذين لم يعودوا بشراً بل مجرد ظلال. صوت خطوات ثقيلة على الرمل. ثم ضوء خافت كوميض نار بعيدة. كوركيس ملقى على الأرض، عيونه نصف مفتوحة، يحدق في سماء لا شكل لها. يتنفس ببطء، كأنه لم يعد متأكدًا إن كان حيًا أم ميتًا.)
صوت بهنام (، كأنه قادم من داخل رأسه):استيقظ. ،،استيقظ… كأنما الوقت قد غاب، وصمت الليل يسرق منك الأحلام. أين نحن الآن؟ هل نحن هنا حقًا؟ أم في مكان آخر، حيث لا يدرك أحد أننا قد غادرنا؟
(كوركيس يرمش، يحاول النهوض، لكنه لا يستطيع. يسمع أصواتًا… مألوفة. أصوات جنود يضحكون، يتحدثون، . شيء ما ليس على ما يرام.)
صوت الضابط (قوي، آمر، كأنه لم يمت ):أيها الجنود، استعدوا للمهمة،،،كفاكم لعباً..لاوامر تدعونا
الى التنفيذ فوراً!!
(كوركيس يجفل، يدير رأسه ببطء. يرى نفسه في العربة العسكرية مجددًا، محاطًا بذات الجنود، و العتاد،)
كوركيس (بهمس، كأنه يعاند الحقيقة):• لا… لا… هذا مستحيل… اية لعبة خبال اعيش ولماذا؟!
(يلتفت فيجد بجانبه بهنام، حيًا، يرتدي الزي العسكري، ينظر إليه بابتسامة غامضة.)
بهنام (بهدوء، كأن الأمر لا يثير استغرابه): لمِ تأخرتَ كثيرًا، كوركيس.
كان عليك أن تفكر بوجودي وسط زحمة الانتظار؟!!
(كوركيس يتراجع، يحدق في الجنود. وجوههم مجرد أقنعة رمادية.)
كوركيس (يصرخ بجنون)لااااا..
كيف يحدث هذا،،كيف؟!!
(العربة تتوقف، الباب الخلفي يُفتح. الضابط ، ينظر إليه مبتسماً، مشيراً إلى الخارج.)
الضابط:انزلوا. ،،المهمة تنتظركم..
نحن على عجلة من أمرنا،،ثمة واجب آخر ينتظرنا،،!!
(كوركيس يرتجف، يحدق في قدميه، لا يريد النزول، لكنه يشعر بجسده يُسحب رغماً عنه. الجنود ينزلون واحدًا تلو الآخر، يصطفون. كوركيس يرفع رأسه… المكان هو نفسه. نفس الساحة، نفس الشواخص، نفس . الشباب المربوطين الى الأعمدة… بينهم بهنام، مقيدًا ، يبتسم بهدوء، كأن هذا حلم رآه من قبل.)
الضابط (بصوت صارم)استعدوا… اذا
كنت حاضراً على هدفك،،،ارمِ!!
(كوركيس يرفع بندقيته ببطء، يده ترتجف. ينظر إلى بهنام، إلى الضابط، إلى الجنود حوله. الكل يبتسم. دونما ملامح..)كوركيس (يصرخ بجنون، دموعه تجري على وجهه)لا،،لا لايمكن
هذا،،!!
(يترك بندقيته، يركض صوب بهنام، يحاول تحريره، لكن في اللحظة التي يلمس فيها الحبال، كل شيء يختفي يجد نفسه واقفًا في الساحة، لا شواخص، لا ضحايا، لا جنود، لا حرب. فقط فراغ يمتد الى آخر بقعة في الوجود. ، يتلمس وجهه، يتحسس صدره، يداه مغمورتان بالغبار، لكن جسده حي. يخطو الى امام، يتعالى صوت مألوف لضحكة الضابط.)
الضابط (من العدم، بصوت يتردد كالصدى في الفراغ):المهمة لم تنتهِ، كوركيس.،،مالكَ تدمن الإرتباك ما تعودتك هكذا،،؟!
(كوركيس يلتفت بجنون، يبحث عن مصدر الصوت، لكنه لا يرى شيئًا سوى الضباب يتكاثف.، من بينه يظهر الجنود ، مصطفين كتماثيل حجرية، بذات الوجوه الممحوة، و البنادق الموجهة نحوه.)
بهنام (يظهر أمامه،دونما قيود، يضع يده على كتفه، يهمس بهدوء):لا يوجد مخرج.،،علينا تحمل ما يجب تحمله
طوبى للحزانى، لأنهم يتعزون!!
كوركيس: (يحدق به بعينين مذعورتين):….ماذا؟
بهنام:هذه الحرب دائرة مغلقة، كوركيس. نعيشها… نموت فيها… ثم نستيقظ لنعيشها مجددًا.. إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم!!
كوركيس (يصرخ):لاااااا.. لعبة لا اود المشاركة بها ،، حياتي واحدة ويجب أن اعيشها!!
(صوت إطلاق نار مدوٍّ، . الرصاص يخترق الهواء، . الضحك تتكرر، . كوركيس يسقط على ركبتيه، يدفن وجهه بين يديه، يهمس بصوت مخنوق.)
كوركيس: متى… ينتهي هذا؟
(بهنام يجلس أمامه، يرفع وجهه بيده، يحدق في عينيه مباشرة.)
بهنام (بابتسامة حزينة)عندما تتوقف عن التصديق بأنه سينتهي…لا نهاية
لحرب مثل هذه،،اولم تسمع ماقاله
المخلص يوما.. رُدَّ سيفك إلى مكانه، لأن كل الذين يأخذون السيف، بالسيف يهلكون”!!
(إظلام . صوت الريح يهدأ… نسمع نفس الجملة الأخيرة، .)
كوركيس (بصوت داخلي، يتردد في الفراغ): عندما تتوقف عن التصديق بأنه سينتهي…عندما تتوقف عن التصديق بأنه سينتهي…
(صمت طويل.يتبعه، صوت محرك عربة عسكرية يقترب. الظلام ينقشع ببطء، ليكشف عن نفس المشهد الأول: جنود داخل العربة، الضابط في المقدمة، كوركيس جالس ، ينظر حوله بذهول..)
بهنام: (يمرر يده على وجهه المرهق) كنا حمقى… صدّقنا أن الحرب ضرورية، أنها الطريق إلى المجد، أنها تجعلنا أبطالًا. لكن ما الذي جنيناه؟ قبورٌ مفتوحة، أمهات ينتظرن من لا يعود، أطفال يولدون في العدم. (يصرخ) الحرب لا تلد الأبطال، بل الأيتام.ونحن نكرّرها، كأننا أصغر من أن نتعلم، أو أضعف من أن نقاوم نزعتها فينا.!!
كوركيس: لأننا نخاف السلام أكثر مما نخاف الحرب. السلام يتطلب شجاعةً لا يملكها الجبناء، أن تعيش دون أن تبحث عن عدو، أن تنظر إلى وجه الآخر وترى إنسانًا، لا هدفًا يجب إسقاطه.
بهنام: (بصوت خافت، كمن يعترف بحقيقة قاسية) لكنهم يعيدونها،؟ ربما ليس غدًا، ولا بعد عام، لكنهم يعيدونها… يجمعون شبابًا آخرين، يمنحونهم راياتٍ جديدة، ويخبرونهم أنهم يحاربون من أجل الحق، من أجل العدالة، من أجل الوووو….ط..ن!!.
كوركيس: (ينهض ببطء، ) ويجدون من يصدقهم. الحرب القديمة ترتدي ثيابًا جديدة، لكن وجوهها تبقى كما هي. والسؤال الحقيقي ليس متى تندلع الحرب القادمة… بل متى نتوقف عن تصديق الأكاذيب التي تشعلها؟
(إظلام. .)
⸻
Discussion about this post