كتب د شادي أحمد
الفقر في سوريا لم يعد مجرد حالة ظرفية عابرة، بل ظاهرة بنيوية تتخطى 80 % من السكان، ما يعادل نحو 14.5 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر،
بينما أكثر من 25% في دائرة الفقر المدقع وفق تقديرات البنك الدولي ، و يتسارع تدهور الوضع..
التجربة العملية لي شخصيا منذ عقدين، بدءًا من عملي مع هيئة مكافحة البطالة #ACU في 2002، والتي وضعتني مباشرة في قلب التحديات البنيوية لسوق العمل،
و من ثم في برامج تنفيذية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في السنوات التالية، #UNDP
هذه التجارب الشخصية أكدت لي أن الفقر في سوريا ليس فقط نقص دخل، بل ضعف قدرة نظام الإنتاج على استيعاب القوى العاملة وتوزيع الدخل بشكل عادل.
التدهور في القوة الشرائية
تشهد سوريا معدلات تضخم قصوى. حيث قفزت مستويات الأسعار بمعدلات سنوية عالية و نسب التضخم تجاوزت 170% في معظم المحافظات ،
(للأمانة المهنية قال حاكم مصرف سورية المركزي المحترم بأن التضخم انخفض من 170% الى 15% فقط)
مع تراجع حاد في القوة الشرائية للأجور،
إذ انخفضت قدرة الأجر الحقيقي في القطاع الخاص و العام على حد سواء
النتيجة العملية:
دخل العامل لا يكاد يغطي الاحتياجات الأساسية، بينما خط الفقر للأسرة تجاوز 3.5 مليون ليرة سورية شهريًا في 2023، مقارنة بنحو 1.6 مليون في 2022 و870 ألف في 2021، ما يعكس تدهورًا سريعًا في مستوى المعيشة.
ليصل الآن إلى مستويات قياسية لا توجد تقديرات مؤكدة و لكن يقال بأنها تجاوزت 5 مليون ليرة للأسرة الواحدة
التفاوت الطبقي والاقتصادي
أظهرت تقديرات مؤسسات دولية أن اختلالات الدخل في سوريا ارتفعت بشكل واضح بعد سنوات من الصراع، مع تزايد فجوة الدخل والفقر بين المناطق والطبقات، وقد ارتفع مؤشر عدم المساواة (Gini) من مستويات ما قبل الصراع، مما يعكس اتساع الشق الطبقي داخل المجتمع.
تجربة الميدان تُظهر أن السياسات العامة غير الموجهة — مثل رفع الدعم دون تمكين الإنتاج المحلي — ستفاقم الفقر وتوسع الفجوة الطبقية لأن الأجور الحالية في غالبية المحافظات لا تغطي حتى الاحتياجات الغذائية الأساسية.
السياسات التي تعتمد فقط على رفع الدعم على المحروقات والسلع الأساسية دون بدائل إنتاجية معززة ستؤدي إلى تآكل أكثر في القوة الشرائية للأسر الهشة ورفع معدلات الفقر المدقع.
المحاور الاستراتيجية
مقترحات
1️⃣. من الإعانة إلى الإنتاج المحلي
الخبرة مع UNDP في برامج سبل العيش أثبتت جدوى توجيه الدعم نحو أدوات إنتاج صغيرة بدل الدعم النقدي غير المربوط بشروط إنتاج. أدوات إنتاج بسيطة – مكابس زيت في الريف، وحدات تصنيع غذائي صغيرة في شمال حلب أو حماة – تحقق دخلًا أكثر استدامة وتخفف من الاعتماد على التحويلات النقدية.
في الريف، تبقى الزراعة الركيزة الأساسية لاستدامة الدخل، ويجب توفير مستلزمات الإنتاج بسعر مدعوم، وربط ذلك بسلاسل تصريف فعالة للمحاصيل، لتقليل الهجرة الداخلية من دير الزور والحسكة إلى المدن الكبرى.
2️⃣. توطين المهارات وربط التدريب بسوق العمل
رصدنا أن التدريب الفني يفقد قيمته إذا لم يكن مرتبطًا باحتياجات إعادة الإعمار الفعلية، خصوصًا في مجالات الطاقة المتجددة، صيانة الأنظمة الكهربائية، والبناء المستدام. هذه القطاعات توفر منافذ حقيقية لدخول الشباب في سوق العمل.
3️⃣. دعم مستهدف وتطور في الأمان الاجتماعي
إعادة هيكلة الدعم الاجتماعي عبر استهداف دقيق مدعوم ببيانات وطنية (من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل) سيضمن وصول الموارد إلى الأسر الأشد هشاشة، مثل الأسر التي تعيلها نساء وحدهم، وكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة.
ربط المعونات بشرط الاستمرارية في التعليم والرعاية الصحية سيحول الدعم إلى آلية تمكينية بدل كونه أداة اعتمادية.
4️⃣. معالجة فجوة القدرة الشرائية
لا يمكن التغاضي عن فجوة الأجور والأسعار. أي زيادة في الأجور غير مدعومة بإجراءات للتحكم في التضخم وأسواق السلع الأساسية ستتبخر سريعًا، وهو ما لوحظ في بيانات التضخم الأخيرة. لذلك، من الضروري تفعيل آليات رقابية على الأسواق وتوسيع دور التعاونيات الاستهلاكية لكسر حلقات الاحتكار.
5️⃣. شراكة وطنية واستثمار الاغتراب
القطاع الخاص المحلي يمكن أن يكون شريكًا فاعلًا إذا ما تم توفير حوافز استثمارية محلية تشجع ريادة الأعمال وتوظيف العمالة في مشاريع إنتاجية في المحافظات. أيضًا، تشجيع السوريين في الخارج على توجيه جزء من تحويلاتهم نحو صناديق استثمار تنموية بدل التحويلات الاستهلاكية، يخلق رأسمال إنتاجي مستدامًا داخل البلاد.
خاتمة – رؤية قابلة للتطبيق
✅ صندوق محاربة الفقر
✅ مؤسسة التشغيل و المشروعات الصغيرة
✅ شبكة الأمان الاجتماعي و المحفظة الاجتماعية للمواطن
✅ التنمية المتوازنة اللامركزية
التجربة الميدانية القائمة على بيانات دولية ومعطيات وطنية تُظهر أن الفقر في سوريا ليس ظاهرة عابرة، بل نتيجة لتدهور شامل في القوة الشرائية والقدرة الإنتاجية وتزايد التفاوت الطبقي.
و لتحقيق تحوّل حقيقي، لا بد من تحول جذري في السياسات:
من إعانات قصيرة الأمد (توقف معظمها) إلى تمكين يدعم الإنتاج المحلي،
ويربط سوق العمل بالمهارات،
ويصون القدرة الشرائية للأسر.
هذا هو الطريق الواقعي الذي يحقق النهوض الوطني.
#شادي_احمد


















Discussion about this post