كتب رياض الفرطوسي
في بعض البلدان الغربية، لا تحتاج إلى أن تثبت من أين أتيت، أو إلى أي قبيلة تنتمي، أو أي انتماء سياسي يحمل قلبك. ما يُسأل عنه فقط هو عملك، التزامك، وقدرتك على احترام القواعد. القانون واحد، الحقوق متساوية، والواجبات واضحة. هذه البساطة تصنع أعظم الفروق: الإنسان يصبح حراً ليكون ما يريد، لا ما فُرض عليه.
المهاجرون في اوربا ، من مختلف أصقاع العالم، يكتشفون قدراتهم بعيداً عن الخوف والوصاية. الطبيب يصبح طاهياً، والمحامي يفتح مطعماً، والمهندس يجد شغفه في الفن أو الحرفة. المجتمع لا يطالب بتذويب الهوية، بل يشجع على تبادل الثقافات: أحضر لغتك وفنك، وخذ من الثقافة التي حولك. يولد التقدم من التنوع، والإبداع من الحرية، والاندماج من الاحترام المتبادل، لا من الاستسلام أو المحاكاة.
ما يُلفت النظر أن النجاح في هذه المجتمعات لا يُقاس بالمكانة الاجتماعية أو بالانتماء، بل بالالتزام بالقوانين والمساواة أمامها. المواطنة ليست رتبة تمنح أو منّة، بل عقد واضح بين الفرد والدولة، حقوق تقابلها واجبات، مطبقة على الجميع بلا استثناء. لذلك يزدهر الإنسان وتثمر التجارب، بينما في بيئات أخرى تظل الطاقات محبوسة بين الولاءات الضيقة، والوساطات، والتقاليد التي تسبق القانون.
التحدي الأكبر في المجتمعات العربية ليس نقص الطاقات أو الأحلام، بل غياب النظام العادل الذي يحمي هذه الطاقات. فحين تُختزل الدولة في شعار أو فكرة رومانسية، ويصبح القانون مرناً وفق المصالح، تُسجن الكفاءة وتتعثر الطاقات، ويُصبح الغناء للتراب والحجر بدلًا من الحياة الكريمة ممارسة دائمة.
المجتمعات تتقدم حين يسود القانون، وحين يشعر كل فرد أن حقوقه محفوظة وأن واجباته عادلة. حينها، يصبح الوطن أكثر من تراب وحجر، يصبح مساحة للعيش والابداع والكرامة، بلا خوف ولا استثناءات.


















Discussion about this post