.
قراءة تحليلية لثلاثية في ال ق ق ج للإعلامية الكاتبة الدكتورة إلهام عيسى /سوريا
بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي / تونس
تحت عنوان كبير : جزار الإنسانية
القـــــراءة :
*القصة الأولى:
طفل يبحث عن الغد///
” خبّأوا أحلامهم في جيوب الريح. كانت أوراقًا ورسائل مؤجلة وبقايا أعمار. مزّقتها المساومات. غرقت الخيام، ارتجفت الأجساد، وأطبق الموت على المكان. طفل يصرخ بحثًا عن حذاء وكساء ورغيف. عند المساء، اكتشفوا أن الواقع دفن أمانيهم دون شاهد. ”
انطلاقا من العنوان يستشعر القارئ أنه مع نص يتعلق بالطفولة و ما تعانيه في زمننا الحاضر :”طفل يبحث عن الغد” ،مما يوحي بماض و حاضر ليس براضٍ عنه . فعملية البحث هذه و استباق الزمن ” الغد” كأنه أمنيات عالقة بداخله .
عادة ما تقترن الأحلام بالطفولة في جميع أوضاعها يقظة أو نوم ،يرى الطفل أحلامه تمتد أمامه و تسبق خطواته ،تراه في حالة مرح و بهجة و فرح غير مكترث بما يدور حوله يطاردها عساه يمسكها كفراشة في فصل ربيع .
طفل النص و مفردة الغد جاءتا في صغة المفرد و هي دلالة على الجمع حين يكون الحديث في العموم و لا يشار إليهما و لا يحدد لهما هوية .
تبدأ القصة بفعل “خبأ” بمعنى ستر و حفظ و أخفى ، و الفعل في صغة الجمع مع ضمير الجمع للغائب “هم”. فقد أخفوا أحلامهم في جيوب الريح :بمعنى رغم هذا الفعل “خبأ”و وارى الشيء عن الأنظار و ما وقع ستره فهو ثمين (فهل يوجد أغلى من الأحلام بالنسبة لهؤلاء) ،فقد عبثت به الريح و مفردة الريح التي إذا ما مرت بالشيء سحقته و عدمته و غاب عن الوجود . (عكس الرياح).
تقول الكاتبة مع فعل كان :كانت أوراقا و رسائل مؤجلة و بقايا أعمار :هذه كل الأحلام المخبأة في دفتر الذاكرة التي كانت السجل لتدوينها :أوراق ،رسائل ،أما بقية الأعمار فهذا دليل أن العمر قد انقضى و الأحلام لم يتحقق منها و لا شيء، مرت بها الريح و سحقتها ، و مزقتها المساومات ؟ سؤال يراود المتلقي و يبحث في هذه المساومات و علاقتها بالأحلام ؟
ساوم على الشيء :السعي للحصول على نفع و جني فائدة بطريقة مخجلة ،و مساوامات النص رغم تعددها فهي واحدة : مغادرة الأرض الرؤوم دون مقابل فأين وجه المساومة ؟؟؟؟ طرد واغتصاب أرض و تهجير و حرب بشع وجهها و ما تركته من دمار أكلته أسنان المجاعة و أغرقته أمطار الشتاء . فالمساومات من طرف واحد : مغادرة أو إبادة .
كثفت القاصة من المشاهد في هذا المقطع و الإيقاع السريع :غرقت الخيام /ارتجفت الأجساد/أطبق الموت على الأجساد.فلم يبق في المشهد إلا “طفل” كل أحلامه حذاء و كساء و رغيف مما يعمق المعاناة في الخيام المنصوبة عل شاطئ المتوسط ،خيام غزة و ما بقي من الصامدين في وجه الريح .
تنتهي القصة بقفلة مأساوية :دفن الأماني دون شاهد
عند المساء :زمن فيه الكثير من التأويل فهو ليس بمساء يوم واحد أو هو مجرد توديع نور النهار و شمسه :فهو انحدار قوي و سقوط إلى القاع بعد الحياة فانتقال النور إلى ظلمة المساء هو الحياة نحو الموت ،مما يؤكده بقية السطر : اكتشفوا أن الواقع دفن أمانيهم دون شاهد .
و تعود إلهام عيسى إلى ضمير الغائب في صغة الجمع مع فعل اكتشفوا /و أمانيهم ، مما يجعلنا نقر بدائرية شكل القصة . أما المعنى فقد تخطى الظاهر إلى الباطن فنعبر و الكاتبة إلى البعد و المعنى الرمزي للسطر :الاكتشاف زمن المساء/الواقع القاسي و العنيف الذي دفن الأحلام التي أشرتُ إليها أعلاه “دون شاهد ” .ليولد سؤال عن هذا الشاهد : هل من شهد على الموت و الذي ساوم ؟أم غياب شاهد على القبر جراء كثرة جثث الشهداء و غياب ملامحهم ؟
*القصة الثانية :
الرصاصة الأخيرة ///
” تحت المطر، كانت أمٌّ عالقة تحت ركام بيتها. احتضنت الرصاصة الأخيرة حين خذلها الضمير العام. نزفت بصمت، ولم يرها أحد. إخوة يوسف مرّوا قريبًا، نظروا طويلًا، ثم أكملوا الطريق. ”
قد نقرأ القصة انطلاقا من نهايتها “إخوة يوسف ،مروا قريبا ، نظروا طويلا ،ثم أكملوا الطريق “. لم تخلوا قصص الدكتورة إلهام عيسى من التناص الديني / قصة سيدنا يوسف و ما فعلوه به إخوته حين رموا به في الجب و لم يرف لهم طرف عين .سطر يتحدث عن الخيانة و الخذلان في نفس الوقت و من داخل العائلة الواحدة فيكون الألم و الكسر أشد مما نتصور .المشهد مؤلم حد النخاع لتبدأ مأساة شعب .
الأم التي احتضنت الرصاصة هي وطن بكل ما فيه علق تحت ركام الحرب فخذله ضمير العالم ،ضمير يشاهد الدمار يوميا و أشلاء الجثث في صمت وهنا إشارة إلى الضمير العربي و إلى جيران غزة خاصة : غرقت هذه المنطقة في أمطار كان لابد لها أن تبيت نعمة و ليست نقمة ، و كأن الطبيعة تحالفت و هذا الضمير الصامت بل ضمير ميت ، فقد مر بالمشهد دون ردة فعل .
في خضم هذه التفاصيل و المشاهد المكثفة ضاع وطن بين الصمت و المساومات ، قال تعالى “أنتم شر مكانا”/يوسف 77
*القصة الثالثة :
سلم الغيم///
“عجوز حمل في قلبه الضائع سهام الغدر، سجد وركع واحتضن اوجاعه في دهاليز وحدته ، كان ضجيج الصمت يلفظ انفاسه الأخيرة ، سرح جدائل الشمس واعتلى سلم الغيم، غفى على رصيف الوداع في جنازة نورانية ، كانت الإنسانية تذبح على مرأى العيون .”
قصة فتحت للقارئ التفكير في العلاقة بين الزمن و العجوز : قد يمثل هذا الأخير جسرا بين الأجيال انطلاقا من الماضي و مرورا بالحاضر مما يجعله شخصية غنية بالدلالات و الرموز المتنوعة .العجوز عادة يحمل الحكمة و هو الزمن نفسه إن أردنا الإقرار بذلك .
ضاع قلب عجوز القصةِ من طعنات “سهام الغدر” حين كانت الانسانية تُذبح على مرأى العين ،فالعجوز شاهد على العصر : يمثل العلاقة بين الإنسان و الزمن و تأثير أحداث الأخير على تجربته الطويلة و حياته :فهو صوت الإنسان في سويداء قلبه حين احتضن أوجاعه في دهاليز وحدته في صمت . مشهد يعمق هذه الوحدة التي يعيشها حين انتبذ و غفى على رصيف الوداع و اعتلى سلم الغيب و ما حمله في داخله من مشاهد دمرته نفسانيا فغادر هذا العالم في صمت.
*حزم القصص :
عودتنا الإعلامية إلهام عيسى بهذا الجنس الأدبي “الق ق ج” الذي يثير في المتلقي التأمل و التفكير العميق و ولوجها مباشرة في تفاصيل و مشاهد مكثفة بطريقة موجزة .
قد جمعت القصص الثلاثة تحت عنوان كبير :” جزار الإنسانية ” فماهي العلاقة و بقية عناوين القصص ؟
كانت القصة الأولى تتحدث عن الطفولة و الأحلام المصادرة و المسروقة :”طفل يبحث عن الغد” ، و القصة الثانية ” الرصاصة الاخيرة” بطلتها إمرأة استشهدت تحت ركام بيتها ، أما الثالثة “سلم االغيب ” بطلها عجوز شاهد على العصر . جمعت بينهم أحداث واحدة : حين تغتصب و تغتال الانسانية على يد “جزار الانسانية ” و أول ضحاياه الأطفال و النسوة و الشيوخ .
إلهام عيسى وقفت على أحداث حقيقية وصفتها وصفا دقيقا مكثفا ، أبدعت فعلا في نقلها انطلاقا من لغة قوية و سرد عميق و موجز يجعل المتلقي يعيش أحداثها كأنه البطل .
بقلمي سعيدة بركاتي /تونس

















Discussion about this post