من أخطر الأخطاء التي تقع فيها الدول في أزمنة الأزمات، أن تتعامل مع راتب العامل أو الموظف في مؤسساتها بوصفه أداة ضغط أو وسيلة عقاب،
متناسية أنّ هذا الراتب ليس رقمًا إداريًا ولا بندًا ماليًا، بل هو حقّ إنساني وأُسَري وأحد أعمدة الأمن الاجتماعي والوطني.
فراتب الموظف والعامل في مؤسسات الدولة ليس منّة من السلطة، ولا امتيازًا سياسيًا، بل هو ملك لأسرته، ووسيلة عيشها، وضمان كرامتها وهو ثمرة عمل، والتزام، وخدمة عامة، لا يجوز المساس بها تحت أي ذريعة أو عنوان.
إنّ من الواجبات الجوهرية للدولة، أخلاقيًا ووطنيًا ودستوريًا، أن ترعى الأسرة وتحميها، ولا سيّما الأسر التي لا تملك موردًا آخر غير هذا الراتب فالدولة التي تعجز عن حماية الأسرة، تعجز تلقائيًا عن حماية المجتمع، ثم تفقد قدرتها على حماية الوطن.
وعليه،
فإنّ قطع أو توقيف راتب أي موظف أو عامل معيل لأسرته، لأي سبب كان، هو عقوبة جماعية غير أخلاقية، تطال الزوجة والأبناء وكبار السن، وهم أبرياء لا ذنب لهم، ولا علاقة لهم بأي خلاف إداري أو سياسي أو قانوني.
وإن وُجدت مخالفات أو أخطاء، فإنّ معالجتها يجب أن تتم وفق القانون والعدالة الفردية، لا عبر تجويع الأسر، ولا عبر كسر كرامة الإنسان، لأنّ العقوبة حين تتحوّل إلى حرمان من لقمة العيش، تصبح ظلمًا، لا عدالة.
إنّ توقيف الراتب يعني تفكيك الأسرة من الداخل، ودفعها نحو الفقر، واليأس، والحرمان، وهي أخطر البيئات المنتِجة للتوتر الاجتماعي، والانفجار المجتمعي، وفقدان الثقة بالدولة.
وهنا يصبح قطع الراتب تهديدًا مباشرًا للأمن الاجتماعي والوطني، لا إجراءً إداريًا.
فالدولة القوية لا تُقاس بقبضتها الأمنية فقط، بل تُقاس بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها، وضمان الحدّ الأدنى من العيش الكريم لأسرهم.
ولا أمن بلا عدالة اجتماعية،
ولا استقرار بلا إنصاف،
ولا وطن متماسك إذا كانت أسر أبنائه مهددة في أبسط حقوقها.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي
سوري مستقل
متخصص في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني والقومي
“صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”
















Discussion about this post