منذ عدة أشهر تشهد دمشق القديمة تنفيذ برنامج واسع لإعادة تأهيل بنيتها التحتية، تنفذه مديرية دمشق القديمة بالتعاون مع المحافظة، ويشمل ذلك شبكات الصرف الصحي والمياه والاتصالات، إلى جانب أنظمة الإنارة والطاقة، ويأتي هذا المشروع في إطار معالجة تقادم الشبكات الخدمية، والحد من المخاطر الإنشائية، وتحسين مستوى الخدمات في أحياء وأسواق تُعد من أكثر المواقع حساسية من الناحية التاريخية والعمرانية، مع الالتزام بمعايير تحافظ على الطابع الأثري للمدينة المدرجة على قائمة التراث العالمي.
ويغطي المشروع عدداً من المواقع الحيوية داخل سور المدينة، من بينها أسواق الحميدية، ومدحت باشا، والبزورية، والحرير، إضافة إلى حديقة القشلة ومحيط الكنيسة المريمية، حيث جرى استبدال شبكات قديمة نفّذت بشكل متفرق في مراحل سابقة، ببنية موحّدة أكثر كفاءة، وتركّز الأعمال على فصل شبكات الخدمات، وتحسين تصريف المياه، وتحديث منظومات الإنارة، بما يخفف الضغط عن الأبنية التاريخية، ويعالج آثار التمديدات العشوائية التي ألحقت أضراراً بالجدران الحاملة والبنية الإنشائية.
وتشير الجهات المنفذة إلى أن الحاجة إلى هذا المشروع جاءت نتيجة التقادم الكبير في شبكات البنية التحتية، وعدم قدرتها على استيعاب الاستخدامات الحديثة ذات الكثافة العالية، ولا سيما بعد تحوّل عدد من الأبنية السكنية إلى منشآت تجارية وسياحية، وقد أدى ذلك إلى أعطال متكررة، وتسربات، ومخاطر إنشائية، ما استدعى وضع خطة شاملة لإعادة التأهيل وفق أولويات فنية تراعي خصوصية النسيج العمراني التاريخي.
واقع البنية التحتية والتحديات
يجري تنفيذ الأعمال وفق منهجية تجمع بين التحديث والحفاظ، بحيث تُنفّذ الشبكات الجديدة بأساليب قابلة للإزالة ولا تُحدث تغييرات دائمة في الأبنية الأثرية، مع استبدال التمديدات العشوائية بأنظمة مخفية أو تحت الأرض كلما أمكن ذلك، كما تُستخدم مواد متوافقة مع الطابع التاريخي للمنطقة، ويُشرف على التنفيذ كوادر فنية متخصصة لضمان عدم الإضرار بالقيم المعمارية أو السلامة الإنشائية.
وفي هذا السياق أعلنت محافظة دمشق أن المرحلة الحالية من المشروع حققت تقدماً ملموساً على الأرض، من خلال إنجاز أجزاء واسعة من شبكات الصرف الصحي والمياه والاتصالات، بالتوازي مع تنفيذ منظومات إنارة حديثة موفّرة للطاقة في عدد من الشوارع والساحات، وتُعد هذه النتائج مؤشراً على بدء التحسّن في مستوى الخدمات، تمهيداً لاستكمال باقي المراحل في مختلف أحياء المدينة القديمة وفق جدول زمني مرحلي.
وأكد حجيراتي أن تحديث البنية التحتية في دمشق القديمة لا يهدف إلى تغيير هوية المكان، بل إلى ضمان استمراريته كمدينة حيّة قادرة على تلبية احتياجات سكانها وزوارها، مع الحفاظ على قيمتها التاريخية والمعمارية، مضيفاً أن نجاح هذه المشاريع سيسهم في استعادة رونق المدينة وألقها التاريخي، دون المساس بقيمتها الاستثنائية.
وتؤكد الجهات المعنية أن استكمال مشاريع إعادة التأهيل في دمشق القديمة سيستمر على مراحل، ليشمل جميع الأحياء والأسواق داخل السور، وفق أولويات فنية وزمنية محددة، فيما تشكل هذه الأعمال جزءاً من مسار طويل لمعالجة تراكمات عقود من الإهمال والتدخلات العشوائية، بما يوفّر بنية تحتية أكثر أماناً واستقراراً، ويُحسّن ظروف المعيشة، مع الحفاظ على الخصوصية التاريخية للمدينة.

















Discussion about this post