بقلم: سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث سوري مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والإقليمي.
تدخل المنطقة مرحلة شديدة الخطورة، حيث تتقاطع الحشود العسكرية الأمريكية، والتهديدات المتبادلة مع إيران، مع اندفاع قوى متطرفة داخل إسرائيل نحو فرض خيار الحرب، في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية.
___ إنّ هذه الحرب، إن اندلعت، لن تكون محدودة الأهداف ولا قصيرة الأمد، بل مرشّحة لتقويض مشاريع السلام، ونسف أي حديث عن شرق أوسط مستقر،
وإعادة العالم فعليًا إلى منطق تعدد الأقطاب والصراعات المفتوحة.
__على المستوى الأمريكي، لا تشير المعطيات إلى إجماع شعبي على خوض حرب جديدة في الشرق الأوسط.
فمزاج الشارع الأمريكي، كما تعكسه كبرى الصحف ومراكز الدراسات، يميل إلى القلق من الانجرار إلى مواجهة مكلفة، اقتصاديًا وبشريًا، بعد تجارب العراق وأفغانستان.
_بينما يحاول دونالد ترامب توظيف لغة التهديد والحشد في سياق انتخابي داخلي، فإن هذه السياسة لا تحظى بإجماع، بل تُقابل بتخوّف متزايد من حرب لا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة.
في المقابل، تُظهر القراءة المتأنية للموقف الإيراني أنّ طهران لا تتعامل مع التهديدات بمنطق الانكسار أو التراجع، بل بمنطق الصمود والتحدي.
فالشعب الإيراني، بتاريخ حضاري عريق وقيم ثقافية وروحية متجذّرة، يرى في التهديدات مساسًا بكرامته وهويته، ما يزيد من تماسكه الداخلي واستعداده للمواجهة. ومن هنا، فإن أي وسيط لا يمكنه نزع فتيل الحرب قبل احترام الرمزية الدينية والسياسية لمرشد الثورة، وعدم التدخل في الشأن الداخلي الإيراني، وهو شرط واضح ومتكرر في الخطاب الإيراني.
لكن الأخطر في هذا المشهد أنّ كل المعطيات والتصريحات الإيرانية تشير بوضوح إلى أنّ إسرائيل ستكون الهدف الأول في حال اندلاع الحرب.
فإيران، استراتيجيًا، ترى أنّ مصدر التهديد المباشر ليس واشنطن بحد ذاتها، بل التيارات المتطرفة داخل إسرائيل التي تدفع نحو التصعيد، وتعمل على جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة شاملة.
وهنا تبرز المناورات العسكرية المشتركة بين إيران وروسيا والصين بوصفها عنصرًا مفصليًا في المعادلة.
هذه المناورات ليست استعراض قوة رمزيًا، بل رسالة استراتيجية مفادها أنّ أي حرب على إيران قد تتحوّل إلى صراع متعدد الساحات، مع غطاء سياسي وعسكري غير مباشر من قوى دولية كبرى.
وفي حال اندلاع الحرب، سيكون لهذه المناورات دور حاسم في:
تعزيز الجاهزية الإيرانية على مستوى الدفاع الجوي والبحري،
وتوسيع نطاق الردع بما يقيّد حرية الحركة الأمريكية،
وخلق توازن ردع جديد يجعل إسرائيل أكثر عرضة للاستنزاف والضغط طويل الأمد.
إنّ إسرائيل، ذات العمق الجغرافي المحدود والجبهة الداخلية الهشّة، قد تجد نفسها أمام خطر وجودي حقيقي إذا تحوّلت الحرب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة،خصوصًا مع احتمال تعدد الجبهات وتعقّد المشهد الجوي والبحري.
فالتفوّق العسكري وحده لا يكفي عندما تتغيّر قواعد الاشتباك، ويصبح الحسم السريع مستحيلًا.
من هنا، فإنّ مسؤولية منع هذه الحرب لا تقع على عاتق إيران وحدها، بل على المجتمع الدولي بأسره، وعلى القوى العاقلة داخل إسرائيل قبل غيرها.
فحرب تُشعلها حسابات أيديولوجية متطرفة قد لا تهدّد إسرائيل وحدها، بل قد تُفجّر المنطقة بأكملها، وتدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة فوضى غير قابلة للاحتواء.
إنّ السلام لم يعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة وجودية.
وأي تجاهل لهذه الحقيقة قد يجعل الجميع خاسرين، بلا استثناء.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث سوري مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والإقليمي
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»
















Discussion about this post