تعاني الساحة الإعلامية والسياسية اللبنانية، ولا سيما في أوساط بعض الناشطين والمحللين المحسوبين على البيئة الشيعية، من ظاهرة مقلقة تتمثل في تنصيب أنفسهم ناطقين باسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقيادتها، بل وباسم الشعب الإيراني نفسه، من دون أي تفويض سياسي أو رسمي، لا من الدولة الإيرانية ولا من مؤسساتها أو شعبها.
هذا السلوك لا يندرج في إطار التحليل السياسي الموضوعي، بقدر ما يُعد تدخلًا غير مسؤول وتشويهًا للمواقف الإيرانية الفعلية، كما أنه يحمّل إيران خيارات وقرارات لم تُعلنها، ويقيّد حركتها السياسية بتوقعات ورؤى خارجية قد تصطدم بالواقع في أي لحظة.
والأخطر في هذه الظاهرة أنها لا تنبع من قراءة استراتيجية مهنية، بل من ولاءات أيديولوجية وخلفيات طائفية تدفع بعض هؤلاء إلى التعامل مع إيران بوصفها مرجعية سياسية وعسكرية مفترضة، فينصّبون أنفسهم متحدثين باسم قيادتها، وجيشها، وشعبها، وكأنهم جزء من منظومتها السيادية، لا مواطنين لبنانيين يفترض أن ينطلق تحليلهم من المصلحة الوطنية اللبنانية أولًا.
فالتحليل السياسي الحقيقي يفترض قراءة هادئة للمعطيات، واحترام سيادة الدول واستقلال قرارها، لا مصادرة هذا القرار أو الادعاء بالتحدث باسمه. والتجربة أثبتت مرارًا أن إيران، كغيرها من الدول، قد تتخذ مواقف وقرارات مفاجئة لا تتطابق بالضرورة مع توقعات الحلفاء أو المتحمسين للخطاب التعبوي، لأن منطق الدول تحكمه المصالح العليا لا الشعارات، ولا العواطف الأيديولوجية العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن الحديث المتكرر عن «وحدة الساحات» و«وحدة المواقف» داخل ما يُسمّى بمحور المقاومة لم يتحقق عمليًا منذ نشوء هذا المحور.
فمنذ البداية، لم تتشكّل غرفة عمليات مشتركة موحّدة، لا على المستوى العسكري ولا على المستوى السياسي التنفيذي، تجمع أطراف هذا المحور ضمن قرار مركزي واحد أو تخطيط منسّق.
والدليل الواضح على ذلك هو استمرار الاستهدافات الإسرائيلية المباشرة داخل الأراضي السورية، بما في ذلك اغتيال قادة إيرانيين ولبنانيين، واستهداف مواقع للجيش العربي السوري، إضافة إلى تدمير منشآت خدمية وحيوية مثل ميناء اللاذقية والمطارات المدنية وغيرها،
وذلك قبل سقوط النظام السابق، من دون أن يقابل ذلك رد موحّد أو موقف عملياتي مشترك يعكس وحدة فعلية للساحات.
إن هذا الواقع يؤكد أن «وحدة الساحات» بقيت توصيفًا إعلاميًا أكثر منها بنية استراتيجية قائمة، وأن إدارة الصراع جرت وفق حسابات منفصلة وسقوف اشتباك مختلفة، لا وفق قرار جماعي واحد.
إن تحويل الإعلام إلى منصات نطق باسم دول ومحاور، بدافع الولاء الأيديولوجي أو الانتماء الطائفي، لا يخدم لبنان، ولا يخدم الحقيقة، بل يربك الوعي العام، ويُنتج أوهامًا سياسية سرعان ما تتكشّف أمام وقائع الميدان وقرارات الدول المعنية .
المطلوب اليوم خطاب تحليلي مهني ومسؤول، يميّز بوضوح بين الرأي الشخصي والموقف الرسمي،
ويحترم عقول الناس، ويتعامل مع السياسة كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون في الخطابات التعبوية.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.















Discussion about this post