كانت الطفلة تستيقظ قبل الجميع، لا لأن النوم يهرب منها، بل لأن الصباح يمر على قلبها ببطء شديد. تفتح عينيها وتحدق في السقف طويلا، كأنها تنتظر أن ينشق الضوء عن وجه تعرفه جيدا. تمد يدها الصغيرة إلى الجهة الأخرى من السرير، تلمس الفراغ، ثم تسحب يدها بسرعة كمن خاف أن يوقظ الغياب.
تنهض بهدوء، تمشي حافية على البلاط البارد، تتجه نحو غرفة والدها المتوفى. الغرفة ما زالت كما تركها، الكرسي قرب النافذة، الكتاب المفتوح على الصفحة نفسها، المعطف معلّق خلف الباب كأنه ينتظر جسده ليعود. تقف أمام المعطف، ترفع رأسها بصعوبة، تلمسه بأطراف أصابعها، ثم تغمض عينيها وتتنفس بعمق. رائحته ما زالت هناك، خفيفة، بعيدة، لكنها كافية لتعيد قلبها إلى حضنه.
تجلس على الأرض، تسند ظهرها إلى السرير، وتبدأ حديثها اليومي الصامت. تحكي له عن المدرسة، عن المعلمة التي ابتسمت لها، عن صديقتها التي شاركتها قطعة الحلوى، وعن خوفها حين ضحك الأولاد بصوت عال. تحكي كل شيء لأنها اعتادت أن يكون هو المستمع الوحيد الذي لا يقاطع، لا يستعجل، ولا يطلب منها أن تكبر قبل أوانها.
تمر أمها من خلف الباب، تراها دون أن تقاطعها. تعرف أن ابنتها تعيش هذا الطقس كل صباح، وتعرف أن الاشتياق حين يسكن طفلا يصبح عالما كاملا لا يمكن اقتحامه. تكتفي بأن تترك الباب مواربا، وأن تضع الفطور على الطاولة، وأن تنتظر.
تنهض الطفلة أخيرا، تقترب من النافذة، تنظر إلى الشارع، تراقب المارة، وتبحث بين الوجوه عن وجه واحد تعرف أنه لن يأتي. لا تبكي. البكاء صار أقل صدقا من الصمت. تكتفي بأن تهمس في داخلها بأنها اشتاقت إليه كثيرا، اشتاقت ليده الكبيرة، لصوته حين ينادي اسمها، للطريقة التي كان يربط بها حذاءها، ولضحكته التي كانت تجعل العالم يبدو آمنا.
قبل أن تغادر الغرفة، تعود إلى المعطف، تضمه إلى صدرها للحظة قصيرة، ثم تعيده إلى مكانه بعناية. تغلق الباب خلفها، لا لأنها تريد أن تنسى، بل لأنها تعلم أن الاشتياق يحتاج إلى مكان خاص ليبقى حيا دون أن يؤلمها أكثر مما يحتمل قلبها الصغير.
تمشي نحو يومها، تحمل حقيبتها وذكرياتها معا، وتعرف في سرها أن والدها لم يغب تماما. هو يسكن التفاصيل، يسكن الصباح، ويسكن قلب طفلة تعلمت مبكرا أن تقول دون صوت واحد فقط، اشتقت إليك.


















Discussion about this post