بقلم : صافي خصاونة
تطرح فكرة العدالة في نزع الأسلحة النووية والصاروخية من الشرق الأوسط كثيرًا عند الحديث عن مواقف إيران ويبدو للوهلة الأولى أن مطالبة جميع دول المنطقة بنزع أسلحتها قد تكون خطوة منطقية وأخلاقية تُجنب الشعوب سباق التسلح وتبعاته الكارثية .
غير أن الواقع السياسي والاستراتيجي يجعل هذا الطرح أقرب إلى المثاليات منه إلى السياسات القابلة للتنفيذ وهو ما يفسر غياب مثل هذه المطالبة عن الخطاب الإيراني الرسمي .
إيران كغيرها من الدول الفاعلة في الإقليم لا تتحرك انطلاقًا من مفهوم العدالة المجردة بل من حسابات الأمن القومي والبقاء .
فهي ترى نفسها محاطة ببيئة عدائية تضم قواعد عسكرية أجنبية وخصومًا إقليميين يمتلكون تفوقًا عسكريًا تقليديًا إضافة إلى وجود دولة تمتلك ترسانة نووية خارج أي رقابة دولية .
وفي ظل هذا الواقع تعتبر طهران أن قدراتها الصاروخية وطموحها النووي السابق أو المحتمل ليست أدوات اعتداء بقدر ما هي وسائل ردع تمنع استهدافها أو فرض الإرادة عليها بالقوة .
ان المطالبة بنزع شامل للأسلحة من جميع دول المنطقة تعني عمليًا أن تتخلى إيران عن أهم أوراق قوتها التفاوضية والعسكرية دون وجود ضمانات حقيقية بأن الآخرين سيفعلون الشيء نفسه كما أن النظام الدولي نفسه لا يوفر أرضية عادلة لمثل هذا الطرح إذ يخضع تطبيق القوانين والمعاهدات لميزان القوة والنفوذ السياسي لا لمبدأ المساواة بين الدول .
ولذلك تدرك إيران أن أي دعوة لنزع السلاح الشامل ستصطدم بجدار الازدواجية الدولية وستُرفض أو تُفرغ من مضمونها بينما تكون هي الخاسر الأكبر من مجرد طرحها .
إضافة إلى ذلك فإن الخطاب الإيراني رغم استخدامه لمفردات العدالة ومناهضة الهيمنة يبقى خطابًا سياسيًا موجهًا للاستهلاك الداخلي والإقليمي أكثر منه مشروعًا أخلاقيًا متكاملًا. فالدول حين تشعر بالتهديد تميل إلى تعزيز أدوات الردع لا إلى التفريط بها حتى وإن كانت تدرك مخاطر التسلح .
ومن هذا المنطلق ترى إيران أن الحديث عن نزع السلاح يجب أن يسبقه تغيير جذري في بنية النظام الإقليمي والدولي وضمانات أمنية حقيقية وهو أمر غير متحقق في الوقت الراهن .
في المحصلة فإن غياب مطالبة إيران بنزع الأسلحة النووية والصاروخية من جميع دول المنطقة لا يعود إلى تجاهل مفهوم العدالة بقدر ما يعود إلى إدراكها لطبيعة الصراع القائم حيث تُدار العلاقات الدولية بمنطق القوة والمصالح لا بمنطق المبادئ وحدها .
وبينما يبقى نزع السلاح الشامل حلمًا مشروعًا لشعوب المنطقة يظل تحقيقه مرهونًا بتوازنات دولية وإقليمية لم تنضج بعد وبإرادة جماعية تتجاوز الحسابات الضيقة للدول الفاعلة
#صافي_خصاونه
















Discussion about this post