كتب رياض الفرطوسي
حين تجلس طهران وواشنطن إلى الطاولة، فالمسألة ليست أرقام تخصيب فحسب، بل ميزان قوى كامل يتحرك تحت السطح. المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة ليست مباراة تقنية حول نسبة 20 في المئة أو 60 في المئة، بل اختبار إرادات طويل النفس.
منذ توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة، بدا أن الصراع يمكن ضبطه بقواعد مكتوبة. لكن انسحاب دونالد ترامب أعاد خلط الأوراق، ودفع طهران إلى إعادة تعريف موقعها في المعادلة. لم تعلن امتلاك سلاح، ولم تغلق الباب أمام التفتيش الذي تقوم به الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنها في المقابل رفعت سقف قدرتها التقنية. هكذا انتقلت من موقع الطرف الذي يُطالَب بالتنازل، إلى طرف يفاوض على أساس ما راكمه من معرفة وخبرة.
البرنامج النووي، في هذا السياق، ليس مشروع قنبلة بقدر ما هو مشروع قدرة. دولة بحجم إيران، بسكانها ومواردها وطموحها الإقليمي، لا ترى في الطاقة النووية ترفاً. هي أداة تنويع اقتصادي، ورسالة سياسية في آن واحد. الرسالة تقول ببساطة إن زمن الإملاءات الأحادية قد انتهى، وإن أي اتفاق جديد يجب أن يكون متوازناً، لا نسخة معدّلة من اتفاق سقط بقرار أمريكي.
في الخلفية يقف البرنامج الصاروخي، كعامل ردع صامت. تطوير صواريخ يصل مداها إلى نحو ألفي كيلومتر ليس تفصيلاً تقنياً، بل جزء من عقيدة دفاعية تشكلت بعد تجربة حرب قاسية. في منطقة تنتشر فيها القواعد العسكرية الأجنبية، يصبح امتلاك وسائل ردع بعيدة المدى أقرب إلى حساب بارد منه إلى اندفاعة عاطفية. هذا الملف خارج طاولة التفاوض الحالية في جنيف، لكنه حاضر في حسابات الجميع.
اللافت أن إيران، رغم كل الضغوط، لم تقطع الخيط مع واشنطن. تفاوض، ترفع السقف، ثم تعود إلى الطاولة. هذه ليست ازدواجية، بل إدارة أزمة طويلة. هي تعرف أن إعلان سلاح نووي سيقلب الطاولة عليها قبل غيرها، لذلك تكتفي بالوقوف عند العتبة، تستخدم ظل القدرة لتحسين شروطها.
المفاوضات الإيرانية الأمريكية اليوم لا تدور حول سؤال بسيط، هل تمتلك إيران قنبلة، بل حول سؤال أعمق، كيف يُعاد توزيع النفوذ والاعتراف في الشرق الأوسط. وطهران تدخل هذا النقاش لا كطرف محاصر فقط، بل كدولة تعلم أن امتلاك أوراق القوة، حتى لو لم تُستخدم، يكفي أحياناً لفرض معادلة جديدة.














Discussion about this post