بقلم: فاطمة يوسف بصل
يا له من زمنٍ التبس فيه الفرق بين الواجهة والحقيقة! صرنا نعيش في مدينةٍ تُبدِّل مراياها أكثر ممّا تُرمِّم جدرانها، وتُزيِّن خرابها بألوان الزيف.
في المدن التي تتزيّن بواجهات الأخلاق، تُرتَّب الكلمات بعناية: شرف، ستر، عادة، مصلحة، خوف من الفضيحة. لكن خلف الواجهة، تُترك الطفولة بلا حارس. البراءة هنا ليست مفهومًا مجرّدًا، بل كائنٌ هشّ يُساق إلى الظلّ كلّما اقترب الضوء من الحقيقة. نقول: “حادثة فردية”، ونُغلق الملفّ. نقول: “الستر أولى”، ونفتح بابًا آخر للوحشية كي تعبر.
الفاعل قد يكون شخصًا واحدًا، لكن الجريمة لا تولد وحيدة. تولد في بيتٍ تعلّم الصمت فضيلة، وفي حيٍّ يخلط الخوف بالحكمة، وفي مجتمعٍ يُربّي أبناءه على أن السمعة أهمّ من السلامة. هكذا تتكاثر الأيدي غير المرئية: يدٌ تُسكت، يدٌ تُبرّر، يدٌ تُقايض الحقيقة بالهدوء. النتيجة: فاعلٌ يتقدّم خطوة، وجوقةٌ من الأعذار تمهّد له الطريق.
قضية جزيرة إبستين كشفت أن الجريمة لا تحتاج شجاعةً فردية فقط، بل تستفيد من صمتٍ طويل، ونفوذٍ يفتح الأبواب، وشبكاتٍ تعرف وتُفضّل ألّا تعرف. لم تكن المسألة “رجلًا واحدًا”، بل منظومة علاقاتٍ وحمايةٍ وتأجيل مساءلة. حين تتواطأ الدوائر المؤثّرة—بالسكوت أو التسويف—تتحوّل الجريمة إلى حدثٍ قابلٍ للتكرار. وترتدي الوحشية أقنعةً جديدة كلّما طال عمر الظلّ.
ليست الأعراف دائمًا حِكمًا قديمة؛ أحيانًا تكون مرايا مكسورة تُعيد الوجوه قبيحة، ثم تطلب من الضحية أن تبتسم للصورة. حين يُقال: “اصمتي كي لا تُكسري بيتًا”، تُكسَر طفولة. وحين يُقال: “السكوت ستر”، يُستر الجاني وتُعرّى الضحية من حقّها في الأمان. العرف هنا لا يحمي المجتمع؛ يحمي الجريمة من المساءلة.
في مجتمعاتنا، تُدار “التسويات العائلية” تحت عنوان الستر. تُنقَل الضحية من مركز الحقيقة إلى هامش الصمت، بينما يُعاد تدوير الجاني داخل شبكة حماية اجتماعية. اختلاف الجغرافيا لا يغيّر القاعدة: الأعراف حين تُستَخدم لتلميع القبح تصبح شريكًا في إدامته.
الصمت ليس فراغًا أخلاقيًا، بل سياسة غير مكتوبة: “دعونا نُنجز الترتيب بعيدًا عن الضجيج”. بهذا الصمت، تتحوّل الحادثة إلى سابقة قابلة للتكرار. وتكبر الجريمة في الظلّ، لأنّ الظلّ يطيل أعمار الوحوش. ومن درس جزيرة إبستين نتعلّم أن التأخّر في المحاسبة، والملفّات التي تُغلَق ثم تُعاد فتحها تحت ضغط الرأي العام، يمنحان الجريمة وقتًا إضافيًا لتغيّر مواقعها وتستبدل أقنعتها.
لا تكتفي الجريمة بفعلها الأوّل؛ تعود بوجهٍ آخر اسمه الوصم. تُفتَّش الضحية بدل تفتيش الفعل نفسه. وهكذا تُنقَل العدسة من يد الجاني إلى كتف الضحية. صورةٌ تتكرّر عالميًا: في القضايا الكبرى كما في الحوادث “الصغيرة”، تُسأل الضحية: لماذا تكلّمت الآن؟ لماذا لم تصمت؟ السؤال نفسه هو الجريمة الثانية، لأنّه يُحوِّل النجاة إلى تهمة.
العدالة المؤجَّلة ليست عدالة؛ هي وعدٌ يتآكل. كلّ تأجيلٍ درسٌ جديد للجاني: يمكن الإفلات. وفي عالمٍ تُدار فيه السمعة قبل الحقيقة، تُدار البيانات قبل الحقوق. ومن ملف إبستين نتعلّم أن التأجيل والتسويات الغامضة في المراحل المبكرة ترسل رسالة خاطئة: النفوذ قد يشتري الوقت، والوقت حين يُشترى يُشترى على حساب الطفولة.
التبنّي لا يكون بتوقيعٍ رسمي، بل بآلاف الإيماءات الصغيرة: نظرة تُخفِّف، عبارة تُلطِّف، باب يُغلَق في وجه البلاغ. هكذا تُتبنّى الجريمة اجتماعيًا، ويُترك الطفل وحده.
نحتاج لغةً تُسمّي الجريمة باسمها، وتضع المسؤولية حيث يجب، وتُعيد الاعتبار للضحية بوصفها مركز الحقيقة. تفكيك الواجهة يعني كسر الامتياز الذي يحمي الجناة، أيًّا كان موقعهم.
والتحوّل الحقيقي يكون في الانحياز العملي: للإبلاغ الآمن، للدعم النفسي والاجتماعي، لتربيةٍ تُعلّم الحدود والحقّ في الرفض، ولمساءلةٍ لا تعرف “المقامات”. حين تُحمى الطفولة، تُحمى سمعة المجتمع فعلًا.
في جزيرةٍ بعيدةٍ تعلّمت الجريمة كيف تختبئ خلف النفوذ، وفي بيوتٍ قريبةٍ تعلّمت كيف تختبئ خلف العرف. الخرائط تختلف… والظلّ واحد. لكنّ البراءة—إن وجدت من يحرسها—قادرة أن تُربك العتمة وتسمّيها باسمها. ومن يُسمّي العتمة، يبدأ بإشعال الضوء.
فإن لم نكسر الصمت اليوم، غدًا سيكسرنا الخراب… وستكون البراءة شاهدةً على أنّنا اخترنا الزينة على الحقيقة، والظلّ على الجدار، والصمت على الصرخة. فالخراب ليس فجوةً في الجدران، بل فجوةً في المعنى: حين نصمت عن الحقّ، ونُزيّن الباطل، ونُربّي الأجيال على تفضيل المظهر على الجوهر.

















Discussion about this post