الإنسان في المسافة الأقصر: مقاربة في القصة القصيرة جدًا
تواجه القصة القصيرة جدًا مأزقها الجمالي منذ اللحظة الأولى: كيف يمكن للنص أن يكون قصة من دون أن يمتلك زمن القصة؟ يكمن الجواب بتحويل مفهوم السرد نفسه. فالسرد هنا يتأسس على على لحظة مكثفة تبلغ حدّ التحول الوجودي؛ لحظة يتغير فيها معنى الحياة لا مجراها. النصوص الثلاثة تنتمي إلى هذا الأفق تحديدًا، إذ لا تبحث عن وقائع تُحكى بقدر ما تبحث عن موقف يتكشف، لذلك تتراجع التفاصيل الواقعية لصالح العلامة، ويتحول الوصف إلى طاقة دلالية. لا نجد شخصيات بالمعنى التقليدي، إنما ذواتًا في طور القرار، ولا نجد حبكة، إنما عتبة وجودية يصل عندها الإنسان إلى معنى نفسه.
في النص الأول تتكئ الشخصية بقدم دامية على الرصيف المؤدي إلى ساحة العبور. ظاهر المشهد بسيط: جريح يسير. لكن القصة لا تروي الإصابة ولا المعركة ولا السبب، لأنها تنقل مركز الاهتمام من الحدث إلى القيمة. القدم علامة انتقال، والرصيف ممرً فلسفي إن كتابة الوصية بالدم تعمل بوصفها تحويلًا للجسد إلى خطاب؛ فاللغة المعتادة تفقد كفايتها عندما يبلغ الفعل حدّه الأقصى، فيغدو الجسد نفسه كتابة. تصبح الشوارع والأزقة والبيوت العتيقة جزءًا من الذات المحمولة المكان يتحول إلى ذاكرة جمعية، والشخصية تمثل أثرًا. ترك الباب مواربًا إشارة إلى أن البقاء ليس بيولوجيًا، الصوت هو الذي يعبر. بهذا المعنى يتحقق ما تشير إليه فلسفة الفعل لدى حنة آرندت حين ترى أن الإنسان يظهر في العالم عبر الأثر الذي يتركه وليس عبر مدة حياته؛ فالفعل الذي يُنجز في المجال العام يمنح صاحبه نوعًا من الاستمرار الرمزي. القصة تعيد تعريف الحياة باعتبارها قدرة على منح المعنى للآخرين.
النص الثاني ينتقل إلى تجربة البقاء عبر العلاقة. المرأة تختار الضوء وتمسك اليد المرتعشة، فينشأ معنى جديد للخلود. الفكرة لا تتجه نحو هزيمة الموت، بل نحو إزالة العزلة. عبارة “طلقت الوحدة” تفتح أفقًا وجوديًا يجعل اللقاء هو مقياس الزمن؛ فاستمرار الصلة يمنح الحياة امتدادها. الضفة الأخرى تكتسب معنى وجدانيًا أكثر من بعدها الغيبي، حيث يتحول اللقاء إلى وعد دائم. هذا التحول يجاور تصور الذات في علاقتها بالآخر عند جان بول سارتر الذي يرى أن الإنسان يكتشف ذاته عبر وجود الآخرين، غير أن النص يحوّل التوتر إلى انسجام، فتغدو العلاقة مصدر طمأنينة بدل الصراع. اللغة العاطفية هنا تقوم بوظيفة أنطولوجية، إذ تمنح الزمن شكل الدائرة ويصبح الصمت استمرارًا للقول
في النص الثالث يتأسس الحدث على الإدراك. الشخصية تعلن أن الموت يفقد أهميته بعد فهم معنى الارتقاء، فتبدأ الحركة من الداخل لا من الخارج. التحليق فوق جسور الخوف يدل على تجاوز السلطة النفسية للخوف دون إنكار وجوده. الاتكاء على اتقاد منولوجي يكوّن مركزًا داخليًا للقرار، وتتحول الكلمات إلى شجرة تنمو داخل الوجدان. عند لحظة الصمت الأخيرة تتحد الخريطة والبوصلة في الذات نفسها، فيصير الاتجاه نابعًا من الداخل. هذا التصور يقارب الأخلاق العقلية عند إيمانويل كانط حيث تتحدد القيمة من القرار الواعي، فالفعل يكتسب معناه من القصد لا من النتيجة.
تتقاطع النصوص الثلاثة في بنية عميقة واحدة: انتقال التجربة من مستوى الواقعة إلى مستوى القيمة. الجسد في الأولى يصبح أثرًا عامًا، الزمن في الثانية يتحول إلى علاقة، الهوية في الثالثة تستقر في وعي داخلي. السرد هنا يتقدم عبر القفزة الدلالية، إذ يواجه القارئ لحظة يتحول فيها تفسير العالم. كل جملة تحمل عبء الحكاية كاملة، وكل صورة تقوم مقام فصل روائي طويل. لذلك يشعر المتلقي أنه أمام تجربة مكتملة رغم قصر النص.
القصة القصيرة جدًا وفق هذا المنظور كتابة للعتبة الإنسانية؛ اللحظة التي يتخذ فيها الإنسان موقفًا يحدد معنى حياته. التضحية تمنح الجسد بقاءً رمزيًا، الحب يمنح الزمن امتدادًا وجدانيًا، والانتماء يمنح الهوية يقينًا داخليًا. عند هذه النقطة يتجاوز النص نقل الواقع ليضيف إليه معنى، ويغدو السرد كشفًا للحظة التي يتبلور فيها الإنسان في أقصى درجات وعيه بذاته.
بهذا تتحدد طبيعة التكثيف فيها بوصفه استبدالا لا حذفا. الرواية تحتاج زمنًا لتبيّن التحول، أما هنا فالتحول نفسه هو النص. كل جملة تؤدي وظيفة مركزية، وكل صورة تحمل عبء الحكاية كاملة. لذلك يتخذ السرد شكل العتبة؛ لحظة بين حالتين، لا قبلها مهم ولا بعدها. هذه العتبة هي ما يمنح النص أثره، إذ يغادر القارئ القصة ومعه شعور أنه شهد قرارًا إنسانيًا لا حادثة.
حيدر الأديب
القصة الأولى
باب مفتوح للضمير
اتكأ بقدمه الدامية على الرصيف المؤدي إلى ساحة العبور.
حمل بيده وصيّته، كان قد استنزفها من وجدانه ثم اختطّها بدمه، حاملاً في قلبه الشوارع والأزقة والبيوت العتيقة.
ترك بابه مواربًا كي يسبح صوته في الفضاء ويحلق نحو ضمائر العالمين!
القصة الثانية — أبدية البقاء
نهضت من تحت ركام أفكارها، اختارت الضوء مسلكًا، أمسكت يده المرتعشة وقالت له:
أنا هنا معك، لن أتركك.
فيما كان غارقًا في ترسيخ الخلود بطريقته، مرددًا:
منذ عرفتك طلّقت الوحدة، وها أنا أشم عبق البقاء، وإن أطبقت شفتاي حتمًا سيطول اللقاء في الضفة الأخرى!
القصة الثالثة — انتماء
لم يعد مفرّ من الإجراء، فالموت لا يعني الكثير لمن أدرك معنى الارتقاء.
حلّقت بجناحيها فوق جسور الخوف، واجتازت العتمة، تلوي تحت قدميها العاصفة.
اتكأت على صحو واتقادٍ منولوجي لم يعد يفارقها.
كانت الكلمات شجرة تنمو أغصانًا تورق وجدانها، فيما القلق ينهش روحًا سكبت طاقاتها في كأس الغياب حتى دنت لحظة صمت كانت هي الخريطة والبوصلة معًا.
بقلم الهام عيسى

















Discussion about this post