يحل علينا اليوم العشرون من شباط/فبراير من كل عام ليكون محطة وقوف وتأمل أمام مبادئ العدالة الاجتماعية التي أقرتها الأمم المتحدة كأحد الحقوق الأساسية للإنسان.
في هذا اليوم، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2007، يتجدد الالتزام العالمي ببناء مجتمعات أكثر إنصافاً وشمولية، حيث تكرس الجهود لمواجهة التحديات المستمرة كالفقر والبطالة والإقصاء وعدم المساواة .
وشعار احتفالية هذا العام 2026، الذي أطلقته الأمم المتحدة تحت عنوان “تجديد الالتزام بالتنمية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية” ، يأتي في سياق عالمي مفصلي أعقب القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية.
إنه تأكيد على أن التنمية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية هما عنصران أساسيان لتحقيق السلام والأمن وصونهما داخل الدول وفيما بينها، كما أنهما ركيزتان لا يمكن بلوغهما دون توافر السلام والأمن واحترام جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية .
معاني العدالة الاجتماعية في المفهوم الأممي
حين نتحدث عن العدالة الاجتماعية، فإننا لا نتحدث عن مفهوم عاطفي أو شعار يُرفع في المناسبات، بل عن أسس متينة لبناء المجتمعات.
لقد حددت منظمة العمل الدولية، في إعلانها التاريخي بشأن العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة (2008)، الأسس التي تقوم عليها هذه العدالة: القضاء على الفقر، تحقيق العمالة الكاملة والمنتجة، توفير العمل اللائق للجميع، وتعزيز الإدماج الاجتماعي .
وتعترف الأمم المتحدة بأن العولمة والترابط الاقتصادي يتيحان فرصاً جديدة عبر التجارة والاستثمار وتدفقات رأس المال، غير أن تحديات جسيمة لا تزال قائمة، من بينها الأزمات المالية الحادة، وانعدام الأمن، والفقر، والإقصاء، وعدم المساواة داخل المجتمعات وفيما بينها. ومن هنا تأتي أهمية ترسيخ العدالة الاجتماعية في صميم صنع السياسات عبر مختلف القطاعات .
وترتبط العدالة الاجتماعية ارتباطاً وثيقاً بمجموعة من أهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها:
· الهدف 1: القضاء على الفقر بجميع أشكاله
· الهدف 5: المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات
· الهدف 8: تعزيز النمو الاقتصادي المطرد والشامل وتوفير العمل اللائق للجميع
· الهدف 10: الحد من أوجه عدم المساواة داخل البلدان وفيما بينها
إسقاط المفهوم على الحالة السورية: واقع مؤلم
عندما ننظر إلى المشهد السوري اليوم، ونحن على أعتاب مرحلة جديدة بعد التغيير الكبير الذي شهدته البلاد في أواخر عام 2024، نجد أنفسنا أمام واقع اجتماعي واقتصادي بالغ التعقيد. فبعد أربعة عشر عاماً من الصراع المرير، يجد السوريون أنفسهم أمام تحديات جسام في طريق بناء دولتهم الجديدة.
المؤشرات الإحصائية ترسم صورة قاتمة: أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأكثر من نصفهم يكافحون للحصول على الغذاء الكافي ويعتمدون على المساعدات الإنسانية .
كما أن نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي انخفض إلى 830 دولاراً فقط سنوياً في عام 2024، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى المعتمد دولياً للبلدان منخفضة الدخل . ومعدلات البطالة تقترب من 60% ، مما يترك معظم الأسر معتمدة على التحويلات المالية من الخارج أو المساعدات الإنسانية المتراجعة .
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات جافة، بل تعكس معاناة يومية لملايين السوريين الذين فقدوا مدخراتهم وبيئة عملهم، وتحولوا من قوى منتجة تطمح للرفاه والعدالة إلى مجتمع يعاني من انعدام الأمن الغذائي والوظيفي بشكل مستدام.
التناقض الصارخ
اقتصاد السوق الحر مقابل العدالة الاجتماعية
وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى التي يعيشها المواطن السوري اليوم. فبينما تطلق الحكومة الانتقالية وعوداً بنمو اقتصادي قد يصل إلى 10% خلال عام 2026، مدعومة بانفتاح دولي غير مسبوق وعودة العلاقات مع مؤسسات مالية كبرى، يعيش المواطن السوري واقعاً مريراً من فواتير الكهرباء التي تلتهم دخله، ورفع الدعم عن الخبز والمحروقات، ورواتب لا تزال غير قادرة على مجاراة كلفة الحياة المتصاعدة .
المواطن السوري البسيط يتساءل بحق: كيف نؤمن بالعدالة الاجتماعية في ظل:
· فواتير الكهرباء التي أصبحت تتراوح بين 800 ألف و3 ملايين ليرة للدورة الواحدة، في وقت لا تزال التغذية الكهربائية لا تتجاوز بضع ساعات يومياً في العديد من المناطق؟
· الحد الأدنى للأجور الذي يبلغ حوالي 800 ألف ليرة (نحو 60 دولاراً) وهو لا يغطي حتى فاتورة الكهرباء المرتفعة، ناهيك عن مصاريف الطعام والنقل والدواء؟
· تحرير سعر الخبز جزئياً، ليصبح سعر الربطة 4000 ليرة، مما يشكل عبئاً إضافياً على الأسر الفقيرة؟
هذا هو التناقض الذي نتحدث عنه: الانتقال المفاجئ إلى اقتصاد السوق الحر دون شبكة أمان اجتماعي كافية.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تعديلات هامشية، بل تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة الاقتصاد، يرتكز على تقليص دور الدولة لصالح رأس المال، وإنهاء الدعم، وخصخصة القطاعات السيادية، وفرض سياسات تقشفية، ورفع أسعار جميع الخدمات .
دعوة للإصلاح: العدالة الاجتماعية ليست ترفاً
إن حزب الإصلاح الوطني إذ يحيي هذه المناسبة، فإنه يؤكد على عدد من المبادئ الأساسية التي يجب أن تحكم المرحلة الانتقالية في سوريا:
أولاً: ضرورة الانتقال من دعم الأسعار إلى الدعم المباشر للأفراد عبر تحويلات نقدية موجهة تُعد أكثر كفاءة وعدالة، تمنح الأسر حرية تحديد أولويات إنفاقها وتحد من الهدر الذي رافق سياسات الدعم التقليدية. وهذا يتطلب بناء قاعدة بيانات دقيقة للمستحقين، واستخدام بطاقات ذكية أو تحويلات مصرفية، وربط أي تعديل في الأسعار بآليات تعويض مسبقة ومعلنة .
ثانياً: إصلاح ضريبي عادل يقوم على نظام ضريبي تصاعدي يوسع القاعدة ليشمل الأنشطة الريعية الكبيرة، ويحمي الفئات الفقيرة، ويعمل كأداة لإعادة التوزيع الجزئي للثروة .
ثالثاً: إدارة شفافة للموارد الطبيعية، خاصة النفط والغاز. هذه الموارد يمكن أن تكون محركاً للتعافي أو مصدراً للصراع إذا بقيت قواعد التوزيع غائبة أو غير شفافة. تحويل الريع إلى تنمية يتطلب آليات مؤسسية لإدارة الإيرادات، وشفافية في التحصيل والإنفاق، وتوجيه الإيرادات نحو قطاعات منتجة مثل الصناعة والزراعة والطاقة المتجددة .
رابعاً: برنامج وطني للإنتاج يركز على استثمار الموارد المعاد السيطرة عليها لخفض فاتورة الاستيراد وتحقيق اكتفاء ذاتي تدريجي، خاصة أن الناتج المحلي الإجمالي تقلص بأكثر من 85% خلال سنوات الحرب .
خامساً: إصلاح تشريعي شامل يتضمن قانون استثمار متوازن يلزم المستثمرين الكبار بتحمل جزء من التكاليف الاجتماعية، مثل توظيف محلي، وإدماج ذوي الإعاقة، والمساهمة في البنية التحتية .
أخيرا
العدالة الاجتماعية أساس الاستقرار
إننا في حزب الإصلاح الوطني نؤمن بأن العدالة الاجتماعية ليست ترفاً فكرياً أو رفاهية يمكن تأجيلها، بل هي أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهي الضمان الوحيد لنجاح أي تحول اقتصادي. كما أن الإصلاح غير المنظم – خاصة في الأسعار والدعم والأصول العامة والموارد الطبيعية – يحمل مخاطر عالية من صدمات معيشية، وإعادة تدوير الريع عبر شبكات مصالح جديدة، وتعميق الفوارق الإقليمية .
إن تحقيق العدالة الاجتماعية في سوريا يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ومؤسسات شفافة، ومحاسبة حقيقية، وإشراك الضحايا وأصحاب المصلحة في صياغة عمليات المساءلة والمشاركة فيها . كما يتطلب إصلاحاً أمنياً ومؤسسياً شاملاً، وضمان أن تحكم معايير حقوق الإنسان جميع جهود التنمية والبناء .
في هذا اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، نجدد العهد مع أنفسنا ومع شعبنا بأن نبقى أوفياء لمبادئ العدالة والإنصاف والمساواة، وأن نعمل بكل ما أوتينا من قوة من أجل سوريا جديدة، يسودها القانون، ويتمتع فيها كل مواطن بحقوقه كاملة، دون تمييز أو إقصاء.
والعدالة الاجتماعية ليست حلماً بعيد المنال، بل هي مشروع وطني يمكن تحقيقه بإرادة صادقة، وعمل دؤوب، وتعاون جميع أبناء الوطن.
حسين راغب الحسين
رئيس حزب الإصلاح الوطني
سفير السلام العالمي

















Discussion about this post