بقلم: فاطمة يوسف بصل
في المدن التي تعلّمت فنّ التجميل أكثر ممّا تعلّمت فنّ الاعتراف، نرتّب الواجهة كلّ صباح، ونترك الداخل ينهار بهدوء. نُلمّع الزجاج كي لا نرى الغبار المتراكم في الصدور، ونرشّ العطر على الجدران، ظنًّا أنّ الرائحة تُقنع الشقوق بأن تختفي. هنا، يصير السؤال ضروريًّا: هل يُصلِح العطّار ما أفسده الزمن؟
أمام بيوتٍ تتهاوى أساساتها، نقف حائرين: هل نُزيّن الجدران المتصدّعة، أم نبني جدرانًا جديدة؟ هل نُصحّح الخطوط على الورق، أم نُعيد رسم الخريطة؟ الزمن لا يُفسد الأشياء بضربةٍ واحدة. هو عامل نحتٍ صبور، يضع مِبضعه على المعنى قطرةً قطرة، يُرهق القيم حتى تملّ الوقوف، ويُساوم الضمير على راحته، ثمّ ينسحب بخفّة، تاركًا الخراب يبدو طبيعيًّا، كأنّ التشقّق جزءٌ من الديكور، وكأنّ الانهيار خيارٌ جماليّ.
نعيش في مجتمعاتٍ أتقنت طقوس “الترميم السريع”: اعتذارٌ متأخّر يُمسَح به تاريخٌ من الخذلان، خطابٌ رنّان يُغطّي أعوامًا من الإهمال، شعارٌ كبير يُعلَّق على باب بيتٍ بلا أساس. نُغيّر الأسماء ولا نغيّر الأشياء، نبدّل الوجوه ولا نبدّل القواعد، ونندهش حين يعود الفشل من الباب نفسه الذي خرج منه أمس.
في السياسة، تتبدّل الألوان وتبقى الجراح بلونها القديم. تُرفع رايات الإصلاح فيما تُدار المصالح بالعُرف ذاته، وتُباع الوعود على الأرصفة مثل مناشير موسميّة، تلمع في الضوء… وتذوب عند أوّل مطر. “ما نُزيّنه بالخطاب، يفضحه الواقع عند أوّل اختبار.”
والواقع، قاسٍ بما يكفي ليكسر مرايا الصور الجميلة. وفي الاجتماع، نُربّي أبناءنا على الصمت كي “تمشي الأمور”، ونعلّمهم أن يتجاوزوا الأخطاء الصغيرة حفاظًا على السلام، ثمّ نكتشف متأخّرين أنّ السلام الذي يُشترى بالسكوت يتحوّل حربًا مؤجّلة في صدورهم.
نُسمّي النجاة الفرديّة حكمة، ونتغاضى عن ظلمٍ صغير لأنّه لا يمسّنا الآن، غير مدركين أنّ الظلم حين يجد بيتًا في مكانٍ ما، سيطلب يومًا الإقامة في بيوتنا.
الخراب لا يقتحم فجأة. يطرق الباب بلطف: تنازلٌ “مرّة واحدة”، تسويةٌ “على مضض”، ابتسامةٌ في وجه زيف “للمصلحة العامّة”. ثمّ يصير الطارق ضيفًا دائمًا، فنُبدّل الستائر بدل أن نُصلِح الباب، ونستبدل العطر كلّما اشتدّت الرائحة، إلى أن ننسى شكل الهواء النقيّ.
“الواجهة الجميلة لا تُنقذ بيتًا أساساته فاسدة.” هذه ليست قسوة لغويّة، بل حقيقة معماريّة للأخلاق. الأساسات هي القيم حين تُختبر، والعدالة حين تُحرج، والأمانة حين تُغري. ما لا يصمد في الاختبار، لا تُنقذه الزينة. وما يُكسَره التراكم، لا يُرمَّم بلمسة.
الإصلاح الحقيقي ليس احتفالًا، بل ورشة طويلة. هو أن نكسر المرآة لنرى وجوهنا بلا فلتر، أن نسمّي الخطأ خطأً ولو خسرنا تصفيق الجمهور، أن نُعيد بناء البيت من الأساس ولو تأخّر السكن.
“الاعتذار المتأخّر لا يُعيد الزمن، لكنّه يكشف من كنّا حين صمتنا.” وهنا، تتعرّى الأسئلة: هل نريد حقيقةً تُربكنا… أم صورةً تُطمئننا؟ هل نجرؤ على الهدم الضروريّ… أم نفضّل ترميمًا يتركنا ننام؟
الزمن لا يرحم الواجهات. هو لا يتفاوض مع الصور، يفتح الأبواب المغلقة، ويضع يده على الشقوق ليُوسّعها إن لم نُداوِها من الداخل. من يخاف الهدم، سيعيش طويلًا في بيتٍ جميل المظهر، ينهار عليه عند أوّل ريح. ومن يختار الإصلاح، يرضى بغبار الورشة على ثيابه، كي لا يتنفّس غبار الانهيار في صدره لاحقًا.
وفي النهاية، لا يسأل الزمن: هل عطّرتُم الجدران؟ يسأل: هل أصلحتُم الأساسات؟ لا ينظر إلى لمعان الواجهة، ينظر إلى صدق البنيان. فإن كان الخراب قد سكن الجذور، فلن تُخفيه العطور… وسيظلّ السؤال، كجرس إنذارٍ في الرأس: هل يُصلِح العطّار ما أفسده الزمن؟


















Discussion about this post