يوسف حسن يكتب –
یوميات المیدان
فی الساعات المتأخرة من اللیل الماضی وفجر الیوم، شهدت منطقة الشرق الأوسط تحولاً کبیراً آخر، حینما تجاوزت نیران الحرب حدود لبنان من جدید، لتصبح بیروت فی بؤرة معادلة أمنیة جدیدة. ما نشهده الیوم فی الضاحیة الجنوبیة والمناطق الجنوبیة من لبنان، لیس مجرد عملیة تأدیبیة، بل فصل جدید من المواجهة المعلنة مع مشروع یسعى، فی اعتقاد المحللین، إلى إزاحة لبنان تدریجیاً من معادلات المقاومة.
من الصبر الاستراتیجی إلى صواریخ حيفا
ورغم مرور أشهر على توقیع اتفاق وقف إطلاق النار، فإن أهالي الجنوب وبیروت یعرفون جیداً أن “وقف إطلاق النار” لم یعنِ أبداً “السلام”. وتؤكد المصادر المطلعة أن حزب الله یمتلك وثائق وأدلة دقیقة على أكثر من 860 حالة خرق واضح لوقف إطلاق النار من قبل الکیان الصهیوني؛ حالات تراوحت بین التحلیق الیومي للمسیرات، واغتیال قیادات میدانیة، وتدمیر منازل سکنیة.
لکن ما غیّر المعادلات هو تخطي الخط الأحمر الاستراتیجي. فالعدوان الصهیوني الأخیر على طهران واغتیال السید حسن نصرالله، کسر الحواجز الجغرافیة والسیاسیة. کما أعلن حزب الله في بیانه، فإن العملیة الصاروخیة والمسیریة التي نفذها فجر الیوم ضد قاعدة “میشمار هاکرمل” جنوب حیفا، لم تکن مجرد عمل تکتېکي، بل جاءت رداً على “العدوان على العاصمة الإیرانیة وفی إطار الدفاع عن لبنان وأهله”.
صمت قاتل وصرخة مسؤولیة
اللافت في الساعات الأخیرة هو تباین ردود الفعل على الساحة اللبنانیة الداخلیة. ففي حین وصفت بعض القوى السیاسیة عملیة المقاومة بالـ “غیر مسؤولة” وبأنها “ذریعة لاستمرار العدوان”، یعتقد الرأي العام المقاوم أن الصمت إزاء 860 خرقاً، یعنی القبول التدریجي بالاحتلال وسيطرة العدو على سماء وأرض لبنان.
وتتناقل وسائل التواصل الاجتماعي المؤیدة للمقاومة، نقلاً عن أحد الشخصیات المقربة، عبارة “حزب الله لدیه أدلة أن لبنان بدأ بالسقوط الكامل بعد الضربة على إیران ویُحضر لاحتلاله ولاجتیاح الجنوب.. خطوة ممتازة ما قام به الحزب بفتح نیرانه.. بدنا نحمي لبنان ونخوض حرباً وجودیة ولو كلف الأمر أرواحنا”. هذا الخطاب یعكس قناعة راسخة في صفوف المقاومة مفادها أن التجاوزات الصهیونیة دون رد ستؤدي إلى احتلال فعلي لأجزاء من لبنان.
رسالة عبرت من بین الدخان والنیران
یرى محللون عسکریون أن اختیار الهدف في عملیة الیوم کان ذکیاً للغایة. فقاعدة “میشمار هاکرمل” هی أحد المراکز الرئیسیة للدفاع الصاروخي للکیان في الشمال. وإصابتها بصواریخ المقاومة، وجهت رسالة واضحة إلى حیفا وتل أبیب: “حیفا وعمق الأراضي المحتلة، لم یعودا في منأى عن صواریخ المقاومة”.
في المقابل، حاول الکیان الصهیوني تغییر المشهد بعصبیة. فطائراته الحربیة أصدرت بیانات فوریة طالبت فیها سکان 53 بلدة ومدینة في جنوب لبنان والبقاع بإخلائها فوراً، وذبحت العشرات من الأبرياء بذریعة استهداف “بنى تحتية لحزب الله”، محدثة موجة نزوح جدیدة.
ارتباك العدو أمام وحدة الساحات
یحاول أفيخاي أدرعي، المتحدث باسم جیش العدو، تصویر عملیة الیوم کعمل منفصل عن جبهة إیران، لکن حقیقة المیدان تقول غیر ذلك. فحلقات الوصل بین الجبهات بلغت ذروتها. ما ورد في بیان حزب الله بعنوان “ثأراً لدم السید حسن نصرالله”، هو تأكید على أن أمن شعوب المنطقة بات مرتبطاً بعضه ببعض.
ما یحدث الیوم في سماء لبنان وحیفا، هو بدایة معادلة جدیدة. أثبتت المقاومة اللبنانیة للعالم بأسره أنها، وإن تكبدت خسائر في المیدان، لن تسمح أبداً للعدو بتحدید معادلات المنطقة الأمنیة بمفرده. لبنان الیوم في خضم حرب وجودیة؛ حرب للحفاظ على هویته وکرامته. وفي هذه الحرب، یبدو أن حزب الله عازم على كتابة نهایة مختلفة عما صممه الصهاينة.


















Discussion about this post