.بقلم:سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
متخصص في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني والقومي.
لقد حذرنا مرارًا من أن أي انزلاق واسع في المواجهة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لن يبقى في حدود ضربة عسكرية محدودة، بل سيتحول إلى صراع مفتوح تتداخل فيه الحسابات النووية بالصاروخية، والسياسة بالاقتصاد، والردع بالمقامرة.
ما بدأ كرغبة في “حرب سريعة” لإعادة تشكيل ميزان الردع، يتجه تدريجيًا نحو حرب إرادات طويلة النفس…
وهنا تبدأ الفاتورة الحقيقية.
من الضربة الخاطفة إلى صراع الإرادات..
في تقديرات أولية داخل واشنطن وتل أبيب، ساد الاعتقاد بأن تفوق التكنولوجيا الجوية والاستخباراتية كفيل بتحقيق حسم سريع:
ضرب القدرات النووية الإيرانية، تقويض البنية الصاروخية، وفرض معادلة ردع جديدة.
غير أن الحروب لا تسير دائمًا وفق الخطة.
وإيران، رغم الخسائر الكبيرة التي طالت قيادات عسكرية وبنى حساسة، لم تتجه نحو الانهيار، بل نحو توسيع دائرة الردع واستهدافات مقابلة مباشرة وغير مباشرة.
ففي الداخل الإيراني، شكّلت الضربة التي استهدفت القيادة العليا صدمة وطنية، لكنها في الوقت ذاته عززت حالة الالتفاف الشعبي حول النظام السياسي ومؤسساته.
فالمرشد الأعلى في إيران ليس مجرد رئيس دولة، بل مرجعية دينية وسياسية وقائد أعلى للقوات المسلحة.
وآلية الخلافة منصوص عليها دستوريًا عبر مجلس خبراء القيادة، ما يعني أن مسألة الانتقال القيادي ليست فراغًا مفتوحًا بل مسارًا مؤسساتيًا.
وفي لحظات كهذه، قد تتحول الضربة التي يُراد منها الإرباك إلى عامل تعبئة وتماسك داخلي.
في المقابل،
يعيش الداخل الإسرائيلي تحت ضغط أمني غير مسبوق، حيث أصبح اللجوء إلى الملاجئ جزءًا من الحياة اليومية، في مؤشر على اتساع نطاق الاستهداف.
أما رهانات تغيير النظام… ومخاطر الحسابات الخاطئة
في كل صراع بهذا الحجم، يظهر رهان على أن الضغط العسكري المكثف قد يؤدي إلى تصدع داخلي لدى الخصم.
غير أن تجارب العقود الماضية أثبتت أن الرهان على انهيار سريع غالبًا ما ينتج نتيجة عكسية، ويعزز التماسك الوطني بدلًا من تفكيكه.
فأي انزلاق نحو هدف “تغيير النظام” في دولة بحجم إيران يعني:
_توسيع رقعة الحرب إقليميًا.
_ضربات متبادلة للبنى التحتية الحيوية.
_مواجهة طويلة الأمد يصعب احتواؤها.
وهنا يتحول الصراع من عملية عسكرية إلى حرب استنزاف شاملة.
_الفارق في بنية القرار: طهران وواشنطن.
في إيران،
القرار الاستراتيجي مركزي، والقيادة الدينية–السياسية تمثل مرجعية عليا موحّدة.
أما في الولايات المتحدة،
فرغم أن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، فإن استمرار أي عملية عسكرية واسعة يحتاج إلى دعم سياسي وتشريعي بحسب قانون صلاحيات الحرب، فإن العمليات التي تتجاوز مدة معينة أو تتطلب اعتمادات مالية إضافية تحتاج إلى غطاء من الكونغرس الأمريكي.
وهذا يعني أن قرار الحرب الطويلة ليس قرارًا فرديًا، بل عملية سياسية معقدة تتأثر بالرأي العام والانتخابات والاصطفافات الحزبية.
هذا الفارق الجوهري ينعكس مباشرة على قدرة كل طرف على تحمّل زمن الحرب.
__مضيق هرمز…
شريان الاقتصاد العالمي.
يبقى مضيق هرمز العقدة الأخطر في هذا الصراع.
حيث يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا.
وأي تعطيل — حتى لو كان مؤقتًا — يعني:
ارتفاعًا حادًا في أسعار النفط.
وقفزة في تكاليف التأمين والنقل.
وعودة التضخم العالمي.
وتهديدًا مباشرًا لنمو أوروبا وآسيا.
حيث ان وجود الأسطول الخامس الأمريكي يجعل من الإغلاق الكامل طويل الأمد أمرًا بالغ الصعوبة، لكن مجرد التهديد المستمر يكفي لرفع الكلفة الاقتصادية عالميًا.
_في اسرائيل :
الاقتصاد تحت النار
وتعبئة عسكرية طويلة ،
وتراجع تام بالاستثمار والسياحة.
وضغط على العملة والأسواق.
وكلفة باهظة جدا لحرب متعددة الجبهات.
_أما الولايات المتحدة،
ارتفاع أسعار الوقود داخليًا.
وزيادة في الإنفاق العسكري.
وضغط سياسي داخلي في حال طال أمد الحرب.
_في أوروبا
عودة التضخم.
تباطؤ صناعي.
مخاطر ركود جديد.
_في إيران
استفادة نسبية من ارتفاع أسعار النفط.
لكن مقابل ضربات للبنية الحيوية وعقوبات إضافية وضغط اقتصادي داخلي.
ولقد حذرنا أن كلفة هذه الحرب — إذا طال أمدها — لن تُقاس بعدد الصواريخ، او بعدد البوراج وحاملات الطائرات بل بمدى قدرتها على إرباك الاقتصاد العالمي وإعادة إدخال العالم في دوامة تضخم وركود.
وتصريحات نارية… وخطر سوء التقدير
التصعيد اللفظي المتبادل يقلّص مساحة التراجع.
فالحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بقرار شامل، بل بسلسلة من الحسابات المفرطة بالثقة.
وأخطر ما في هذاالمشهد ليس الضربة الأولى،
بل تراكم الضربات الصغيرة التي تُبقي الجميع على حافة الاشتعال.
فهل كل ذلك هو جنون القوة… ؟
أم عجز عن كبحها؟
إن “جنون القوة” لا يكمن في امتلاك السلاح،
بل في الاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده كفيل بفرض الشروط أو بفرض الاستقرار.
وبالواقع ،قد ينتصر طرف في جبهة،
لكن الجميع سيخسر وسيدفع اقتصاديًا.
ولكن السؤال لم يعد: من يملك الصواريخ الأبعد مدى؟
بل: من يملك القدرة السياسية والعقل الاستراتيجي لإيقاف دوامة التصعيد قبل أن تتحول إلى مواجهة لا يمكن التحكم بمآلاتها؟
ففي لحظات كهذه،
فإن الحكمة الاستراتيجية أهم من استعراض القوة.
—
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
قضايا الأمن الاجتماعي والوطني والقومي
“صوت من أجل شرق يولد ٥من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”


















Discussion about this post