مع الصائمين
بقلم/ محمود فوزي الموجي
غزوة بدر الكبرى
الجزء السادس
صفات الجيش المنتصر الجزء الثاني
5 _ التخطيط والإعداد الجيد والأخذ بكل أسباب النصر .
تعالى ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ) الأنفال :٦٠
بدأ الرسول ﷺ يصف الصفوف حريصاً على جعل الصف متساوياً ومتراصاً في منتهى النظام، وبدأ ﷺ يلقي على جيشه بعض الأوامر العسكرية لتنظيم العملية الحربية، قال: (إذا أكثبوكم -أي: اقتربوا منكم- فارموهم بالنبل ) أي لا تطلقوا هذه السهام إلا عندما يقتربون ويصبحون في مرمى السهام بعد ذلك ابدءوا في ضربهم، في رواية البخاري يقول (واستبقوا نبلكم) أي : حافظوا على الذخيرة، ولا تقوموا بإهدار هذه السهام، ثم يقول: (ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم) لا ترفعوا السيوف من أغمادها إلا بعد أن يقترب الجيش تماماً.
الإعداد الجيد والأخذ بكل أسباب النصر المادية، والعمل بكل ما هو متاح في اليد لتحقيق النصر، وقد رأينا كيف حصلت المخابرات الإسلامية على أخبار جيش مكة، ورأينا الموقع العسكري المتميز الذي نزلوا فيه، ورأينا التوجيهات العسكرية الحكيمة، ورأينا الصفوف والترتيب، وسنرى أيضاً مهارة القتال وقوة الضربات والشجاعة والإقدام والاحترافية في الحرب، فهو إعداد في منتهى الروعة، إذ الجيش كله يتكون من فرسين وسبعين جملاً، وعدة المسافر ليست عدة المحارب، لكن هذه هي الإمكانيات التي في استطاعتهم .
6- تواضع القائد وانصهاره مع جنده
هناك موقف مهم وعجيب حصل أثناء تسوية صفوف المقاتلين المسلمين، هذا الموقف يعرفنا أيضاً على صفة مهمة من صفات الجيش المنصور أثناء تسوية الصف، فالرسول ﷺ وجد صحابياً متقدماً عن غيره من الصحابة في الصف، وغير مستو في مكانه، فجاء إليه ﷺ وكان يمسك بيده قدحاً يسوي بها الصف، وكان اسمه سواد بن غزية رضي الله عنه، فضربه بالقدح ضربة خفيفة في بطنه، وقال له : (استوِ يا سواد!)، لكن العجيب في الموقف هو رد فعل سواد رضي الله عنه الذي فاجأ الجميع بقوله: (يا رسول الله! أوجعتني فأقدني يعني أريد القصاص، يريد أن يقتص من رسول الله ﷺ قائد الجيش، بل قائد الدولة الإسلامية، لكن الأعجب من كل هذا رد فعل الرسول ﷺ ، فقد استجاب دون أي جدل لطلب سواد، فكشف الرسول ﷺ عن بطنه ليضربه سواد ضربة مماثلة تماماً على البطن مباشرة ودون ثياب. وقال: (استقد اضرب، لكن سواداً اعتنقه وقبل بطن الرسول فقال النبي ﷺ ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله! قد حضر ما ترى -أي: حضر أمر القتال والحرب- فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك) فدعا ﷺ له بخير.
فالجيش المنصور لا فرق فيه بين قائد وجندي، والأمة المنصورة لا فرق فيها بين حاكم ومحكوم، كما قال الرسول ﷺ للأنصار في بيعة العقبة الثانية )أنا منكم وأنتم مني(رأيناه وهو قائد الجيش يتناوب في الركوب مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومرثد بن أبي مرثد رضي الله عنه، وفي رواية: مع أبي لبابة رضي الله عنه.
وأثناء السفر قال الصحابيان للرسول ﷺ نحن نمشي عنك، قال ﷺ ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما
روى الترمذي وأبو داود: قال رسول الله ﷺ من ولاه الله عز وجل شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره.
7- التفوق في المواجهات الفردية
بدأت ساعة الصفر، وقام رجل من المشركين اسمه الأسود بن عبد الأسد المخزومي وأقسم أن يشرب من حوض المسلمين أو ليموتن دونه، فانظر إلى هذا الضلال! كفاح وتضحية واستعداد للموت من أجل قضية فاسدة( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا (فاطر:٨ فقابله الأسد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وضربه ضربة قطعت ساقه، ومع ذلك كان الرجل مصراً على الوفاء بقسمه، فظل يزحف على الأرض لكي يصل إلى ماء بدر، لكن حمزة أدركه وقتله قبل أن يصل إلى مراده.
فكانت هذه نقطة بداية مهمة للمعركة، وكانت نقطة لصالح المسلمين، حدث هذا في أول دقيقة من دقائق المعركة، فكان توفيقاً كبيراً من رب العالمين، فقد رفع معنويات المسلمين وأحبط معنويات الكافرين، وحرك الغيظ في قلوب زعماء مكة، ونهض ثلاثة منهم يطلبون المبارزة من المسلمين، فقد كان من عادة الناس في الحروب القديمة أن يتبارز أفراد قلائل في بداية المعركة كنوع من الاستعراض، ثم يبدأ بعد ذلك الهجوم الشامل في الجيش كله؛ لذلك قام عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة وهم من أشداء فرسان مكة.
والعجيب الذي يلفت النظر هو قيام عتبة بن ربيعة، فقد كان عتبة بن ربيعة من الحكماء المعدودين في قريش، ومن أصحاب الرأي السديد في أمور كثيرة، وكان يدعو قريشاً أن تخلي بين رسول الله وبين العرب ولا يقاتلوه ، وكان يقول : إن هذا الرجل ليس بشاعر ولا بكاهن ولا بساحر ولا بكاذب ، وكان يرفض فكرة القتال في بدر بعد إفلات القافلة، وكان إلى آخر لحظة يجادل المشركين في قضية القتال، حتى نظر إليه الرسول ﷺ من بعيد قبل بدء المعركة، وهو يركب جملاً أحمر، فقال ﷺ (إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا)، لكن القوم لم يطيعوه وأصروا على القتال، وللأسف الشديد دخل عتبة معهم المعركة ولم يرجع كـ الأخنس بن شريق، والأعجب من ذلك أنه خرج للمبارزة .
خرج الفرسان الثلاثة يطلبون القتال، فخرج لهم ثلاثة من شباب الأنصار، لكن الفرسان المشركون قالوا: لا حاجة لنا بكم إنما نريد أبناء عمنا، فقال الرسول ﷺ: قم يا عبيدة بن الحارث وهو ابن عم الرسول ثم قال: قم يا حمزة! وهو عم الرسول ، ثم قال: قم يا علي بن أبي طالب وهو ابن عم الرسول ﷺ ، فكلهم من الأقربين، مع أن القتال خطير، لكن القائد وعائلته يعيشون حياة الناس تماماً، ويتعرضون لكل مشاكل الأمة، فيكونون في أوائل المضحين والمجاهدين، وبدأت المبارزة، علي بن أبي طالب بارز شيبة، و حمزة بارز عتبة، وعبيدة بن الحارث بارز الوليد بن عتبة.
والتقت السيوف واحتدم الصراع، وبدأت الدماء تسيل، ثم بدأت الجثث تتساقط في دقائق معدودة، وانتهت الجولة الأولى من الصراع لصالح المسلمين مرة أخرى، علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب قتلا شيبة وعتبة، سبحان الله! سقط عتبة في أرض بدر ولم تنفعه حكمته وأصيب عبيدة والوليد بإصابات بالغة، فأسرع علي وحمزة إلى الوليد بن عتبة وقتلاه، وحملا عبيدة إلى معسكر المسلمين، فكان سقوط أربعة قتلى للمشركين في أول المعركة.
اشتعلت أرض بدر بالقتال، هجوم شامل كاسح في كل المواقع، صيحات المسلمين ترتفع بشعارهم في ذلك اليوم : أحد أحد، أحد أحد ، و صليل السيوف في كل مكان،انها معركة الفرقان بين الحق والباطل .
تحرير/ دعاء محمود















Discussion about this post