مع الصائمين
غزوة بدر الكبرى
الجزء السادس عشر
بقلم: محمود فوزي الموجي
آثار غزوة بدر ( يوم الفرقان )
-1 الميلاد الحقيقي للدولة الإسلامية بقيادة الرسول ﷺ ، والجيش الإسلامي الذي ولد في هذه الغزوة هو الذي على أكتافه ولدت أمة الإسلام
كدولة مستقرة، أصبح لها كيان ولها مكانة وذاع صيتها في الجزيرة العربية.
-2 الفرح والسرور لأهل المدينة بهذا النصر العظيم فقد التف المسلمون حول البشير (زيد بن حارثة رضي الله عنه ) وهو يسوق إليهم بشريات نصر الله لأن الرسول ﷺ لم يعد بعد المعركة بل مكث في أرض بدر ثلاثة أيام كعادة الجيوش المنتصرة.
3 – كانت غزوة بدر ضربة قاصمة لقريش، وهزة عنيفة لكبرياء قريش وكرامتها فقد كانت قريش أمنع قبيلة في العرب وأعزها وأكبرها
كذلك هؤلاء السبعون الذين قتلوا هم عمالقة الكفر وقادته وأئمة الضلال في الأرض، منهم فرعون هذه الأمة أبو جهل، ومنهم الوليد بن المغيرة، ومنهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والنضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف وأمثالهم .
قال أبو سفيان : ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، فتعجبوا من قوله فقال : لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض والله ما تليق شيئاً -لا تترك أمامها شيئاً ولا تبقي- ولا يقوم لها شيء.
وكان أبو رافع رضي الله عنه وأرضاه موجوداً بينهم، وهو غلام للعباس رضي الله عنه، وكان يخفي إسلامه، فلما سمع ذلك قال : تلك والله الملائكة تلك والله الملائكة، فرفع أبو لهب يده وضربه في وجهه ضربة شديدة، وحصل بينهما نزاع، فاعتلى أبو لهب فوقه وبدأ يضربه، فجاءت أم الفضل زوجة العباس رضي الله عنهما وكانت تخفي إسلامها أيضاً، فأمسكت عموداً وضربت أبا لهب على رأسه حتى شجته شجة منكرة، وقالت له: استضعفته أن غاب عنه سيده، فولى أبو لهب ذليلاً، ولم يعش بعد هذه الضربة إلا سبع ليال، فقد رماه الله سبحانه وتعالى بمرض يسمى العدسة، وهي قرحة تصيب الإنسان وتقتله في أيام، وكانت العرب تتشاءم من هذه القرحة، فلم يستطيعوا الاقتراب منه حين أصيب بها إلى أن مات جيفة نتنة.
-4 نزلت سورة الأنفال تشرح للمسلمين كيفية تقسيم الغنائم، وقبل ذلك أعطاهم رب العالمين سبحانه وتعالى درساً في منتهى الأهمية، يستنكر رب العالمين سبحانه وتعالى على المسلمين الذين حققوا هذا الانتصار في غزوة بدر أن يهتموا بأمر الدنيا بالغنائم اهتماماً يسبب خلافا بينهم، قال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ )الأنفال:١ ، ثم بدأ يعرف لهم الإيمان، ويعرض عن الجهاد في سبيل الله والبذل والقتال فيه، وعن الأحداث العظيمة التي صاحبت الغزوة ، وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)الأنفال:٢ – ٤
ثم بدأ يشرح لهم قصة بدر قال تعالى (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ) الأنفال:٥ – ٦ الآيات والآيات تحمل نوعا من الشدة واللوم على المسلمين، وكأن الله يقول لهم: كيف تفكرون في أمر الدنيا وقد تحقق لكم هذا الانتصار العظيم ؟ فلا تضيعوا النصر إذاً من أجل متاع زائل .
-5 في غزوة بدر، أسر المسلمون سبعين من المشركين ، فيا ترى! كيف يتم التصرف فيهم؟ لم ينزل تشريعاً بوحي لرسول الله ﷺ يعلمه كيفية التصرف فتشاور النبي كما اعتاد صلى الله عليه وسلم فجمع الصحابة، وكوَّن مجلساً استشارياً، وبدأ يسألهم؟ فقال أبو بكر المستشار الأول لرسول الله ﷺ: (يا رسول الله! هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضداً. رأياً يغلب عليه جانب الرحمة يقول: هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، نأخذ فدية، والفدية هي أموال، يأخذونها لحاجتهم الماسة إليها، خاصة وأنهم يؤسسون دولة، وفي نفس الوقت قد يكتب الله لهم الهداية إلى الإسلام . كان رأى أبو بكر الصديق دائماً يغلب عليه جانب الرحمة، وكان ﷺ يصفه ويقول: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر الصديق رضي الله عنه .
فقال ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟! قال: والله ما أرى ما رأى أبو بكر بل أرى أن تمكن علياً من عقيل بن أبي طالب أخيه فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. رأياً حاسماً شديداً، فقد رأى أن يقتل السبعين وليس ذلك فقط؛ بل كل واحد يقتل قريبه، حتى يظهر كل مسلم أنه ليس في قلبه حب لأي مشرك حتى ولو كان من أقرب أقاربه، هكذا كان رأي عمر، وكان الرسول ﷺ يقول في عمر: ( أشد أمتي في أمر الله عمر) رضي الله عنه وأرضاه.
فهذان رأيان مختلفان تمام الاختلاف، واحد يقول: نأخذ الفدية، والآخر يقول: نقتل الأسرى.
قال عمر رضي الله عنه: (فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد غدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر فوجدتهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله! أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت وإلا تباكيت ، فقال ﷺ للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، فقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، وأشار إلى شجرة قريبة) يعني: كاد العذاب يصيب الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، لأنهم اختاروا أمر الفداء؛ فالأولى في هذا الموقف ما أوحى الله عز وجل به إلى نبيه الكريم ﷺ بأن يثخن في الأرض(بقتل الأسرى) لأن هؤلاء كما قال عمر صناديد الكفر وأئمته وقادة الضلال في الأرض .
وأنزل الله عز وجل قوله: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) أي: أنتم تريدون الفداء والأموال، (وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )الأنفال:٦٧
ثم قال: (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)الأنفال:٦٨
والكتاب الذي سبق هو الآيات التي نزلت قبل ذلك في سورة محمد ، (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً(محمد:٤ ، يعني: أمر الفداء أمر مشروع، وكان الأولى أن يثخن في الأرض .
وكان رأي سعد بن معاذ على نفس رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
***كيفية فداء الفقراء من أسرى بدر
كانت الفدية بالمال من صور الفداء ، لكن هناك أناس كانوا فقراء، فرأى النبي ﷺ أن بعض هؤلاء الأسرى يعرفون القراءة والكتابة، والأمة الإسلامية في ذلك الوقت لم تكن قد تعلمت بعد، وليس عندها قدرة على القراءة والكتابة إلا القليل، فقام النبي ﷺ بفك أسر مثل هؤلاء من المشركين على أن يعلم كل واحد منهم عشرة من غلمان المدينة المنورة، وهذا يرينا بعد نظر، الرسول ﷺ ودقة فهمه، فالأمة في حاجة إلى القراءة والكتابة، منهم فمن لا يقدرعلي دفع الفدية، فعليه تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.
وهناك بعض الأسرى منَّ الرسول ﷺ عليهم بغير فداء وأطلقهم، من هؤلاء أبو عزة الجمحي، كان فقيراً جداً وقال: (يا رسول الله! لقد عرفت ما لي من مال، وإني لذو حاجة وذو عيال فامنن علي، فمن عليه ﷺ)، لكنه أخذ عليه عهداً ألا يظاهر عليه أحد، وحينها قال أبو عزة بعض الأشعار في مدح الرسول ﷺ. لكن أبو عزة بعد إطلاقه كان شراً على المسلمين وحرباً عليهم، وألب عليهم المشركين في غزوة أحد.
وقتل ﷺ بعض الأسرى، قتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث؛ لأن هؤلاء كانوا من أكابر مجرمي قريش، نسميهم في هذا الزمن بمجرمي الحرب، ﷺ لهما محاكمة، وقتل الاثنين وهو في الطريق إلى المدينة المنورة. …
تحرير: دعاء محمود

















Discussion about this post