مع الصائمين
الحلقة الخامسة والعشرون
بقلم: محمود فوزي الموجي
ليلة القدر وليالي العتق من النار
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. ليلة واحدة أفضل من عبادة ثلاثٍ وثمانين سنة، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «أي العمل في هذه الليلة خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر».
ليلة القدر ليست ليلة عادية ،إنها ليلة تتنزل فيها الملائكة.
قال الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. قال ابن عباس: تنزل الملائكة في هذه الليلة أكثر من عدد الحصى ، وتبقى الأرض مليئة بالرحمة والبركة إلى طلوع الفجر.
ثم قال الله: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. ليلة كلها سلام ورحمة ومغفرة من حُرم خيرها فقد حُرم . ليلة قد تُبدَّل فيها حياتك،وتُغفر فيها ذنوبك،وتُفتح فيها أبواب كانت مغلقة.ليلة تتبدل فيها الأقدار وتكتب فيها الأقدار
والخيلُ الأصيلةُ إذا شمّت ريحَ النهايةِ اسْتَجْمَعَتْ قُوتَها، وبَذَلَتْ مُهجَتَها، وأخرجتْ كُلَّ ما في جعبتِها!
فهل استجمعتم قوتكم ؟ أم أنكم تعبتم والقمةُ أمام أعينكم؟ هل أنتم ممن يشدون المئزر؟ أم ممن ينامون والملائكةُ تتنزل؟” فعن عائشة رضي الله عنها ): كان النبي ﷺ إذا دخل العشر الأواخر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله( رواه البخاري ومسلم.
نحن في العشر الأواخر من رمضان.. العشر التي شرفها الله بليلةِ ‘القدر،..أتدري ما القدرهو الشرف، وهو التقدير، وهو ‘إعادة صياغة حياتك’.
يقف السائلُ بقلبٍ محروق: ‘يا رب، أنا كُتبتُ شقياً، أنا غلبتني ذنوبي، أنا ضاق رزقي، فهل من تبديل؟’ نعم.. القَدَرُ يتغير الليلة! فهناك ‘قدرٌ مُبرم’ في علم الله،
وهناك ‘قدرٌ مُعلق’ في صحف الملائكة.. الليلة تُفتح السجلات السنوية، الليلة تنزلُ الملائكةُ بصحائف من عند عرش الرحمن. وهنا تكمن المعجزة.
ربما كُتبتَ في صحيفة الملائكة ‘شقياً’. ولكن! حين يراك الله الليلة وقد عفرت وجهك في التراب، وسجدت سجدة الانكسار.. وفي تلك اللحظة التي تكون فيها ‘أقرب ما تكون من ربك’.. وتهمس للأرض لتسمعك السماء.. وتخرج الصرخة من قلبك: ‘يا رب اعفُ عني’.. فيصدر القرار من فوق سبع سماوات، قرارٌ يزلزل موازين الكون: ‘يا ملائكتي.. امسحوا شقاءه، واكتبوا سعادته! امسحوا فقره، واكتبوا غناه!’
فمن الذي يرضى أن يُغلقَ سجلُّه السنويُّ وهو لا يزالُ في قائمةِ المحرومين؟”
يونس عليه السلام! كان في بطن الحوت، في ظلمات ثلاث، وكان ‘القضاء المحتوم’ والقدر المكتوب بنص القرآن: {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. هذا هو القدر الأصلي!
ولكن.. حين ارتجف قلبه ونادى بكلمة السر التي زلزلت أركان المحيط: {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ. كلمة واحدة غيرت قدراً كان ممتداً ليوم القيامة!
وانظر لزكريا عليه السلام.. شاب شعره، ووهن عظمة، وعقمت زوجته.. القدر البيولوجي يقول ‘لا ولد’.. ولكن حين نادى في المحراب: رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا تغيرالقدر فَبَشَّرْنَاهُ بِيَحْيَى ….. ألا تستطيع سجدتك الليلة أن تغير قدر ك؟
ألا تستطيع دمعتك أن تغير قدرك ؟ ألا تستطيع صلة رحمك الليلة أن تزيد في عمرك وتبارك في رزقك؟”
إذا كانت هذه الليلة ليلة تغيير الأقدار فالسؤال الذي يجب أن يهز القلب الآن: بماذا نغيّر الأقدار؟إن لتغيير الأقدار مفاتيح عظيمة، من فتحها فتح الله له أبواب الفرج.
1 _ قيام الليل : أعظم الأعمال في ليلة القدر قيامها بالصلاة ، قال النبي ﷺ:«من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» رواه البخاري ومسلم.
2 _ الدعاء
الدعاء ليس كلماتٍ تُقال…الدعاء بقلبٌ منكسر بين يدي الله. تَهتزُّ لهُ أبوابُ السماء! حين ترفعُ يدَك وتُنادي بكلمةِ السر: (اللهمَّ إنكَ عفوٌ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عني والعفو هوالمحوُ التام للذنوبَ.
الدعاء أن تشعر أنك لا تملك شيئًا… وأن الله يملك كل شيء.
قال الله تعالى:( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) دعوة صادقة في جوف الليل قد تغيّر مسار حياةٍ كاملة. دمعة واحدة في سجدة قد تفتح بابًا ظل مغلقًا لسنوات طويلة.
3 _ الذكر والاستغفار
قال النبي) : ﷺ ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليكك … ذكر الله)
فأكثروا من: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .
والذنوب تثقل القلب… وتغلق الأبواب. والاستغفار يمحو الذنوب ويفتح الأرزاق.
قال الله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا • يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا • وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ………) رزق وفرجٌ وبركةٌ في الحياة.
*4_ الصدقة وصلة الرحم
الصدقة تدفع البلاء، وتطفئ غضب الرب.
قال النبي ” ﷺ الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار”.
ورب صدقةٍ صغيرة دَفعت عن صاحبها بلاءً كبيرًا.
ثم صلة الرحم قال النبي ﷺ “من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه”
*5_ الاعتكاف و تلاوة القرآن هذه ليلة نزول القرآن
كان النبي ﷺ يعتكف في المسجد متفرغًا لعبادة الله حتى توفاه الله ، قالت عائشة -رضي الله عنها-: “أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ” رواه البخاري ومسلم .وهكذا كان حال الصحابة الكرام رضي الله عنهم والسلف الصالح فمنهم سعيد ابن المسيب كان إذا دخلت العشر الأواخر يعتزل الناس، ويقيم الليل كله في المسجد، ويبكي من خشية الله حتى تتورّم قدماه. وكان الإمام الشافعي وأبو حنيفة -رحمهما الله- يختمان في كل ليلة من العشر .
رمضانُ يرحل، والقلوبُ ترتجف. ولكنَّ الوداعَ لا يكونُ بالبكاء، بل يكونُ بـ ‘حُسنِ الختام’. إنما الأعمالُ بالخواتيم (اللهمَّ إنكَ عفوٌ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنا .
*** التماس ليلة القدر والحكمة من إخفائها
أرشدنا النبي ﷺ إلى التماسها في العشر الأواخر، وفي أوتارها خاصة. فعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله ﷺ قال: “تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ” متفق عليه. وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنها في ليلة السابع والعشرين أرجى ما تكون، لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: “ليلةُ القَدْرِ ليلةُ سَبعٍ وعشرين” رواه أبو داود .
وقد اخفاها اللهُ عَنَّا لنجتهِدَ في التماسِها في العشرِ كلِّها، وخصوصاً في أوتارها. فيزداد أجرنا ويكثر عملنا. فمن حرص على شيء جد في طلبه. ولو عُيّنت لاقتصر الناس عليها وتركوا باقي الليالي .
ومن علاماتها التي قد تظهر للمسلم بعد وقوعها: أن تطلع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها (كالقمر)، وأن تكون الليلة معتدلة (لا حارة ولا باردة)، وأن يشعر المؤمن بطمأنينة وانشراح صدر لقول رسول الله ﷺ “وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ – ﷺ فَقَالَ : “أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ، وَهُوَ مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ؟.
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد اللَّه -رضي الله عنه-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه” ﷺ إِنِّي كُنْتُ أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ نُسِّيتُهَا وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ لَيْلَتِهَا، وَهِيَ لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ، بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ، وَلَا بَارِدَةٌ ”
وعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ-رضي الله عنه-عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “لَيْلَةُ الْقَدْرِ بَلَجَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، وَلَا سَحَابٌ فِيهَا وَلَا مَطَرٌ وَلَا رِيحٌ، وَلَا يُرْمَى فِيهَا بِنَجْمٍ) ”
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَنْ يَكْتُمَهَا، ويدعو بإخلاص نية و يقين وَيَكُونُ أَكْثَرُ دُعَائِهِ لِدِينِهِ، وَآخِرَتِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ – إِنْ رَأَيْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ بِمَاذَا أَدْعُو؟ فَقَالَ “تَسْأَلِي اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ”.
وعَنْ عَائِشَةَ-رضي الله عنها-قُلْتُ لِلنَّبِيِّ – ﷺ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قَوْلِي “اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي”
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
وكل عام وانتم بخير















Discussion about this post