على حافة التحول الكبير…

سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل

“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”

في توقيت بالغ الحساسية، تقف المنطقة أمام لحظة نادرة قد تعيد تشكيل موازينها لعقود قادمة، مع وصول الوفدين الأمريكي والإيراني إلى إسلام آباد، إيذانًا باقتراب انطلاق جولة مفاوضات تُعد من أخطر المحطات السياسية في المرحلة الراهنة.
هذه ليست مفاوضات تقليدية، ولا جولة عابرة يمكن احتواؤها ضمن قواعد الاشتباك الدبلوماسي المعروفة، بل هي لحظة اختبار تاريخي ومصيري لإرادة القرار الدولي، ولمدى قدرته على كبح الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود السيطرة.
رغم وصول الوفدين، ورغم المؤشرات الأولية التي تفيد بوجود توافق مبدئي على مبدأ الهدنة ووقف الأعمال العسكرية كمدخل ضروري لأي مفاوضات، فإن المشهد لا يزال محكومًا بتعقيد شديد، يعكس حجم التناقضات على الأرض.
فأي مسار تفاوضي لا يمكن أن يبدأ قبل وقف شامل للأعمال الحربية في المنطقة من جميع الأطراف، باعتباره شرطًا أساسيًا لتهيئة بيئة سياسية قابلة للحوار.
في هذا السياق، يظهر الموقف الإسرائيلي، وخصوصًا داخل دوائر التيارات المتشددة، كعامل تعطيل مباشر لهذا المسار، عبر الإصرار على استمرار العمليات العسكرية في لبنان، ورفض أي صيغة لوقف إطلاق النار.
هذا التعنت لا يعكس مجرد خلاف سياسي، بل يكشف عن اختلال أعمق في توازنات القرار، وعن حجم تأثير أدوات التيارات المتشددة داخل إسرائيل، وما يقابلها من امتدادات وتأثيرات داخل بعض دوائر القرار في الولايات المتحدة.
وهنا تتضح إحدى أخطر زوايا المشهد:
فالتباين بين نوايا التهدئة المعلنة واستمرار التصعيد على الأرض، يفتح تساؤلات جدية حول طبيعة القرار الأمريكي، وحدود استقلاليته في مواجهة الضغوط والتحالفات ومراكز التأثير المختلفة.
وفي حال استمرار هذا المسار، فإن احتمالات فشل أو نسف هذه المفاوضات تبقى قائمة بقوة، بما قد يعيد المنطقة إلى دوامة الحرب، ويطلق موجات جديدة من التدمير والقتل، ويدفعها نحو مسارات مفتوحة لا يمكن لأي قوة إقليمية أو دولية التحكم بها.
إن أخطر ما في هذا السيناريو ليس فقط استئناف القتال، بل انهيار القدرة على ضبط الإيقاع السياسي والأمني، وتحول الصراع إلى حالة دائمة من الانفجار المتقطع، بما يهدد الأمن والسلم الإقليمي والعالمي على حد سواء.

وفي المحصلة، فإن ما يجري اليوم لا يمثل مجرد اختبار لمفاوضات أو تفاهمات، بل هو اختبار حقيقي للقرار الأمريكي المستقل، البعيد عن تأثيرات وضغوط وتضليل أدوات المتشددين داخل الإدارة الأمريكية وفي إسرائيل.

نتابع وننتظر…
وشعوب المنطقة، كما العالم أجمع، تتابع وتنتظر.

lamar
lamar

نائب مدير الموقع

المقالات: 1218

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *