حينما تكسر إيران “هيبة” أمريكا ويلملم العرب أوهامهم!

 

#عدنان_الروسان

 

بينما كان بعض الإعلام العربي المنهزم يروج لأسطورة ‘إبادة الحضارة الإيرانية’ على يد ترامب، كانت الحقائق على الأرض تكتب فصلاً جديداً من فصول انكسار الغرور الأمريكي. نحن لا نمجد أحداً، لكننا نقرأ الواقع الذي يرفض ‘السحيجة’ العرب رؤيته: زمن الأوهام العربية انتهى، وفقاعة التهديدات الترامبية انفجرت، فمن الذي انتصر حقاً ومن الذي لا يزال يعيش في غيبوبة التبعية

 

إنَّ حالةَ السّيولةِ الأمنيةِ وعدمِ الاستقرارِ التي تهيمنُ على منطقةِ الشرقِ الأوسطِ، كانت نتاجاً خالصاً للحالةِ العربيةِ من التشرذمِ والفرقةِ والضعفِ التي استمرتْ لأكثرَ من مئةِ عام. لقد عشنا خلالها حالةً من الوَهمِ في كلِّ شيء، وهو الوهمُ الذي قادَ الأمةَ إلى سلسلةٍ من الحروبِ الفاشلةِ التي خسرناها كلَّها بلا استثناء.

 

ولأنَّ الطبيعةَ تكرهُ الفراغَ، والسننَ الكونيةَ هي التي تدفعُ بعجلةِ الزمنِ إلى الأمامِ غيرَ متأثرةٍ برضا راضٍ أو غضبِ غاضبٍ، فقد جاءتْ عمليةُ “طوفانِ الأقصى”، ثم الحربُ على لبنانَ، والحربُ على إيرانَ لتغيّرَ المشهدَ بكاملِه وتزيدَ من ضعفِ العربِ وانقسامِهم؛ بينما ازدادتْ بوضوحٍ أهميةُ “نظريةِ المقاومةِ” وقتالِ العدوِّ بغضِّ النظرِ عن الخسائرِ التي قد تقعُ نتيجةَ الحرب.

 

أمريكا، ومِن خلالِ رئيسِها “ترامب”، وضعتْ شروطاً على إيرانَ غايةً في القسوةِ، وجاءتْ بكلِّ ترسانتِها العسكريةِ للحربِ، وشنَّتْ -ومعها كيانُ بلفور- آلافَ الغاراتِ، فدمّرتْ وأحرقتْ وقتلتْ آلافَ المدنيينَ في إيران، بينهم 170 طفلةً في مدرسةٍ ابتدائيةٍ؛ وهو أمرٌ لم يتحدثْ عنه الجانبُ العربيُّ ولم يُدِنْ هذا العملَ اللاإنسانيَّ، كما لم يُدِنْ الكثيرَ مما فعلتْه “إسرائيلُ” بغزةَ أو لبنان.

 

اليومَ يُوقِفُ ترامب الحربَ ويبحثُ عن مخارجَ بالتفاوضِ، بعد أن كانت تهديداتُه بإبادةِ الحضارةِ الإيرانيةِ وتدميرِ إيرانَ تدميراً شاملاً آخرَ ما تلفّظَ به. ثم فجأةً، انفجرتِ الفقاعةُ الترامبيةُ، وتبيّنَ أنَّ كلَّ التهديداتِ كانت فارغةً من المضمونِ، ولم تكنْ سوى حربٍ نفسيةٍ لم تُثمرْ مع الإيرانيينَ كما أثمرتْ مع “النظامِ الرسميِّ العربيِّ” دائماً (أنا ما أقدرش أحارب أمريكا، اللي مايخافش من أمريكا مايخافش من ربنا، دي أمريكا!).

 

اليومَ، وفي كلِّ التقاريرِ الإعلاميةِ الغربيةِ، نقرأُ أنَّ نتيجةَ القتالِ هي انتصارٌ حاسمٌ لإيرانَ -على الأقلِّ حتى الآن. طابورُ “المطبّلينَ” في الإعلامِ العربيِّ، وهم يشكلون نسبةً لا بأسَ بها، يقولون: ما هذا الانتصارُ وقد تمَّ تدميرُ إيران؟ ويستشهدون بأقوالِ ترامب إنَّ إيرانَ تحتاجُ لعشرينَ سنةً حتى ترمّمَ ما تهدّم.

 

والسؤالُ لهؤلاء:

هل انتصرتْ بريطانيا وفرنسا في الحربِ العالميةِ الثانيةِ أم انكسرتا؟ جوابُ الجميعِ -الذي لا يختلفُ عليه اثنانِ- أنهما انتصرتا. طيّب، لو أردنا القياسَ عليهما في الحالةِ الإيرانيةِ لقلنا: “شو هالانتصار؟” لقد تمَّ تدميرُ المدنِ والمرافقِ والبُنى في كلٍّ من فرنسا وبريطانيا بالكاملِ تقريباً، لكنهما -رغم ذلك- انتصرتا!

 

المهمُّ، ترامب يريدُ أن يفاوضَ، ويعيشُ حالةً من القلقِ الصادمِ، بينما إيرانُ لم يسقطْ نظامُها، ولم يتوقفْ برنامجُها الصاروخيُّ، ولم تُسلّمِ اليورانيوم، ولم تكفَّ عن دعمِ حزبِ الله، ولم تسمحْ لأمريكا بفتحِ مضيقِ هرمز، ولم تستطعْ أمريكا القيامَ بعمليةِ إنزالٍ بريٍّ، ولم يقمْ ترامب -كما كان يريدُ- بتعيينِ المرشدِ الأعلى الجديدِ، ولم يستولِ على نفطِ إيران، ولم يمنعِ الصواريخَ الإيرانيةَ من الوصولِ إلى “إسرائيل”.

 

كثيرٌ من “السّحّيجةِ” العربِ يعتبرون ما نقوله تمجيداً لإيرانَ، بينما هو في الحقيقةِ سردٌ للواقعِ ليس إلا. وهنا نسألُ: المشهدُ يتغيّرُ، فماذا يمكنُ للعربِ أن يفعلوا ليتداركوا ما فاتَهم من فهمٍ لمجرياتِ الأمور؟ أمريكا لا تحمي أحداً، قواعدُها في المنطقةِ العربيةِ لحمايةِ “إسرائيل” وحمايةِ النفطِ، ولا تكترثُ لا بالأصدقاءِ ولا بالحلفاء، والدليلُ ما نراهُ ماثلاً أمامنا اليوم.

 

ماذا يمكن للعرب أن يفعلوا لتدارك ما فاتهم اذن

أمام هذه المتغيرات الكبرى، لم يعد ينفع العرب البقاء في مقاعد المتفرجين أو المصفقين و لا بد من عمل عربي جاد للخروج من حالة الخدر السياسي و الاجتماعي و الفكري و الديني

علينا اولا الخروج من عباءة “الحليف الوحيد”: العالم يتحول إلى عالم جديد متعدد الأقطاب و البقاء في حالة الاعتماد الكلي على واشنطن هو مخاطرة وجودية حقيقية ، خاصة وأن أمريكا اليوم تتبع سياسة “أمريكا أولاً” بشكل فج.

 

بناء “كتلة عربية حرجة قادرة على الفعل و لا يمكن لأي دولة عربية منفردة أن تواجه العواصف القادمة لوحدها بل نحتاج إلى حد أدنى من التنسيق الاقتصادي والعسكري الذي لا يمر عبر البوابة الأمريكية.

 

التصالح مع المحيط بدلاً من استنزاف الثروات في صراعات إقليمية تخدم مبيعات السلاح الغربية، التوجه نحو “أمن إقليمي” يجمع دول المنطقة (عرباً، إيرانيين، وأتراك) قد يكون السبيل الوحيد لتقليل التدخلات الخارجية.

الاستثمار في الإنسان والتقنية: القوة اليوم ليست في عدد الطائرات المشتراة، بل في القدرة على التصنيع والابتكار والتحكم في القرار السيادي.

 

الأوروبيونَ أدركوا أنَّ أمريكا تريدُ جرَّهم إلى حروبٍ لا مصلحةَ من ورائها، لذلك رفضوا مشاركةَ ترامب في حربِه وقالوا له: “هذه ليست حربَنا”. وإسبانيا فعلتْ أكثرَ من ذلك بكثير؛ رئيسُ الوزراءِ الإسبانيُّ قال لترامب: “من يحكمُ في إسبانيا هم الإسبانُ”، ومنعَ مرورَ الطائراتِ الأمريكيةِ في الأجواءِ الإسبانيةِ، ومرورَ السفنِ الأمريكيةِ في المجالِ البحريِّ الإسبانيِّ، ووقفَ ضدَّ “إسرائيل” وسجّلَ مواقفَ رجوليةً أخلاقيةً قزّمتْ أمّتَنا العربيةَ، وجعلتْ من عندهم “ضمائرُ” من أبناءِ أمتِنا يشعرون بالقهرِ على أحوالِنا.

 

إسبانيا دولةٌ لديها كرامةٌ وطنيةٌ، وأخلاقٌ وفروسيةٌ قلَّ نظيرُها. الحربُ أذلّتْ أمريكا، والمقاومةُ اللبنانيةُ أذلّتْ “إسرائيل”، والمنطقةُ على أبوابِ متغيراتٍ كبرى سنتحدثُ حولها إن شاءَ الله.»

lamar
lamar

نائب مدير الموقع

المقالات: 1218

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *