المناخلية تفريغ دمشق من هويتها التراثية

كتب شادي أحمد

في أحد أزقة دمشق القديمة، يقف سوق المناخلية بوصفه ذاكرة حية تمتد لما يقارب 1800 سنة، حيث لم تكن الحرفة نشاطًا اقتصاديًا فحسب، بل هوية متكاملة تتوارثها الأجيال.

نشأ السوق حول صناعة المناخل والغرابيل، ثم توسّع ليضم منظومة مترابطة من الحرف الدقيقة، تعمل ضمن شبكة غير مكتوبة من الخبرة والثقة والتكامل اليومي.

قرار ترحيل الحرفيين اليوم لا يعني مجرد تغيير موقع العمل، بل كسر العلاقة العضوية بين الحرفة والمكان.

فالقيمة الحقيقية للسوق لا تكمن في بنيته الحجرية، بل في الوظيفة التي يؤديها كحاضنة للمعرفة الحرفية المتراكمة.

تشير التقديرات إلى وجود عشرات المهن، وما بين 150 إلى 300 حرفي، إضافة إلى شبكة أوسع من العاملين المرتبطين بهم.
هؤلاء لا يمثلون أرقامًا فقط، بل بنية اجتماعية واقتصادية كاملة. وعند تفكيكهم مكانيًا، تتفكك معهم منظومة الإنتاج نفسها، التي تعتمد على القرب والتكامل والثقة.

الأثر يمتد أيضًا إلى المشهد البصري والرمزي. فالسوق كان يُعرَف بأصواته وحركته وتفاصيله الحية، لا بواجهاته فقط. ومع غياب الحرفيين، يتحول تدريجيًا إلى فضاء صامت، أقرب إلى عرض شكلي منه إلى بيئة إنتاج حقيقية.

هنا يظهر الخطر الأكبر: الانتقال من “تراث يُمارَس” إلى “تراث يُعرَض”. في الحالة الأولى، تبقى الحرفة جزءًا من الاقتصاد الحي، وفي الثانية تتحول إلى مشهد سياحي فاقد للوظيفة.

قد يحقق القرار مكاسب تنظيمية أو عقارية على المدى القصير، لكنه يحمل كلفة استراتيجية أعلى: فقدان نموذج إنتاجي متجذر، وخسارة عنصر تميّز لا يمكن إعادة إنتاجه. فدمشق لا تفقد سوقًا فقط، بل تفقد جزءًا من آلية بقائها كمدينة حيّة، لا كواجهة تاريخية.

#شادي_احمد

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *