على حافة التفاهم الكبير: التفاوض الأميركي–الإيراني ولبنان بين التطمين وإعادة التموضع

بقلم : أمين السكافي
على ما يبدو فإن المسار التفاوضي بين أميركا وإيران يسير بشكل يدعو للتفاؤل، وهو تفاؤل مبني على معطيات وتصريحات لا على أحلام أم تمنيات، وخاصة لجهة الرئيس ترامب الذي يبشر بقرب انتهاء التفاوض والتوافق على ثلاث صفحات جمع بها هواجس الطرفين. لن ندخل كثيراً بما تحتويه الورقات الثلاث، أولاً لأن كل دولة مستقلة هي أدرى بشؤونها وعلى أية أساسات تبني موقفها التفاوضي، وثانياً أن انعكاسات وقف الحرب ستنعكس إيجاباً على المنطقة برمتها، وثالثاً قد نشهد مساراً أميركياً–إيرانياً يؤدي بعد الاتفاق إلى مسار التطبيع بين البلدين، والشواهد على هذا التفاؤل كثيرة، وخاصة من الإدارة الأميركية وتحديداً سيد البيت الأبيض الذي أعلن عن الوصول لنهايات إيجابية مع إيران.
هذا الخطاب الأميركي المتفائل لم يأتِ في فراغ، بل يتقاطع مع رغبة واضحة لدى الإدارة في تسجيل إنجاز دبلوماسي كبير، حيث أشار ترامب في أكثر من مناسبة إلى أن الاتفاق بات قريباً، وأن الخلافات الجوهرية جرى تقليصها إلى حد كبير. وهنا، الجزء الأكبر من الفضل يعود إلى إسلام آباد، ولذلك أشاد الرئيس ترامب بقوة برئيس الوزراء الباكستاني وبقائد الجيش المشير عاصم منير، في إشارة إلى دور باكستاني فاعل في تليين المواقف وفتح قنوات خلفية للحوار.
وعلى ما يبدو من التصريحات الكثيرة الصادرة عن البيت الأبيض، والتي تدعو إلى التفاؤل بقرب انتهاء الأزمة، فإن واشنطن تتعامل مع هذا المسار بوصفه أولوية استراتيجية، ليس فقط لضبط البرنامج النووي الإيراني، بل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي برمته. في المقابل، وعلى الجهة الإيرانية، يبقى الحذر سائداً، وهذا يرجع إلى طبيعة الثقافة الإيرانية المقلّة في التصريحات، والتي اعتادت أن تعمل بصمت. وقد عبّر مسؤولون إيرانيون عن هذا النهج بالتأكيد أن “النتائج هي التي تتحدث”، في إشارة إلى أن طهران تفضل تثبيت المكاسب عملياً قبل الإعلان عنها.
أما عن عرض العضلات الذي يُمرَّر أحياناً من الجهتين، فما هو إلا رسائل للداخل بأن كل طرف يدّعي أنه من كسب أكثر خلال المواجهات وبعدها المفاوضات. وهذا السلوك ليس جديداً في العلاقات الدولية، حيث تُستخدم أدوات التصعيد الإعلامي والعسكري المحدود لإدارة الرأي العام الداخلي، أكثر مما هي تعبير عن نية حقيقية للانفجار.
أما بالنسبة للبنان، فملفه قد أصبح في يد ترامب الذي يغازل إيران من خلاله، ولذلك هذا أيضاً يدعو للتفاؤل بأن لبنان لم يعد متروكاً لإسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية. بل على العكس، تشير المعطيات إلى أنه قد يكون بنداً موجوداً في الصفحات الثلاث المتفق عليها بنسبة كبيرة بين البلدين، ما يعني إدخاله ضمن سلة التفاهمات الكبرى.
ومن هنا، لم يعد مسموحاً أميركياً للكيان بالعبث بأمن لبنان، وقد كان الرئيس ترامب واضحاً يوم أمس بقوله للكيان: “يكفي… يعني يكفي”، في إشارة إلى محاولات قصف لبنان التي قد تستدعي رداً من حزب الله، فتتعثر المفاوضات التي أصبحت قدراً بالغ الأهمية بالنسبة له. هذا الموقف يتقاطع مع تسريبات دبلوماسية غربية تتحدث عن ضغوط أميركية فعلية لاحتواء أي تصعيد على الجبهة اللبنانية، منعاً لانفلات الأمور.
أما بالنسبة للمقاومة، فأغلب الظن أنه سيكون لها مخرج يرضي الجميع، وخاصة إيران، بأن الذهاب إلى نزع السلاح كمطلب إسرائيلي لم يعد أمراً ملحاً. وكما أسلفنا، فإن ترامب لن يسمح لشيء بإيذاء الاتفاق بينه وبين إيران، وهو ما يفسر تراجع حدة الخطاب الأميركي التقليدي تجاه سلاح المقاومة في هذه المرحلة الحساسة.
ومن الواضح أن إيران لا تترك حلفاءها لمصائرهم، بل تشملهم برعايتها وتجعل أمنهم بنداً رئيسياً على طاولة التفاوض. وقد أكدت مواقف إيرانية سابقة أن أمن المنطقة “وحدة متكاملة لا تتجزأ”، في إشارة ضمنية إلى أن أي اتفاق مع واشنطن لن يكون على حساب حلفائها في المنطقة، وفي مقدمهم لبنان.
في المحصلة، نحن أمام مشهد إقليمي يعاد تشكيله بهدوء، حيث تتقدم الدبلوماسية على حساب المواجهة، ويُعاد ترتيب الأولويات وفق توازنات جديدة. وبين التفاؤل الأميركي الحذر والبراغماتية الإيرانية الصامتة، يقف لبنان على أعتاب مرحلة قد تحمل في طياتها فرصة نادرة للانتقال من ساحة اشتباك مفتوحة إلى ورقة محسوبة ضمن معادلة الاستقرار الإقليمي




