القبعات الزرقاء … شهود زور 

 

بقلم : أمين السكافي

كانت المرة الأولى التي وطأت بها أقدام قوات حفظ السلام التابعة لـالأمم المتحدة الأرض اللبنانية عام 1978، وذلك بعد العملية التي قامت بها القوات الإسرائيلية والتي وصلت من خلالها إلى نهر الليطاني، فيما عُرف بـعملية الليطاني 1978. فكان أن صدر قرار مجلس الأمن 425 القاضي بانسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين المحتلة، إلا أنه بقي حبراً على ورق ولم يُنفذ. بل على العكس، عادت إسرائيل بعد سنوات لتشن اجتياحًا أوسع وأشمل بلغ تخوم بيروت واحتلها، فيما عُرف إسرائيليًا بـعملية سلامة الجليل.

 

أمام هذا المسار، يبرز السؤال البديهي: ماذا فعلت قوات حفظ السلام في كلا الاجتياحين؟ الجواب، كما تعكسه الوقائع، يكاد يكون واحدًا: لا شيء يُذكر. لم تمنع تقدمًا عسكريًا، ولم توقف احتلالًا، ولم تفرض تنفيذ القرار الدولي الذي جاءت أساسًا لتطبيقه. وبقي حضورها أقرب إلى رمزية شكلية منه إلى قوة فاعلة قادرة على التأثير في مجريات الأحداث.

 

في المقابل، جاءت المقاومة اللبنانية أولًا، ثم المقاومة الإسلامية لاحقًا، لتملأ هذا الفراغ. وبجهود تراكمية جبارة، استطاعت فرض معادلة جديدة انتهت بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وهو الانسحاب الذي شكّل التطبيق الفعلي للقرار 425، ولكن بجهود الميدان لا بفعالية المؤسسات الدولية. وهنا يُطرح السؤال مجددًا: أين كانت قوات حفظ السلام من كل ذلك؟ وماذا قدمت سوى بيانات لا تغني ولا تسمن من جوع؟

 

ولعل أكثر المحطات إيلامًا في هذا السياق، ما عُرف بـعملية عناقيد الغضب عام 1996، والتي شهدت واحدة من أبشع المجازر في بلدة قانا الجنوبية، أي مجزرة قانا 1996. يومها، لجأ المدنيون إلى مقر تابع للأمم المتحدة هربًا من القصف، فلاحقهم الموت إلى داخل ما اعتقدوه ملاذًا آمنًا. قُتل مئات من الأطفال والنساء تحت أعين القبعات الزرقاء، بل داخل نطاق مسؤوليتهم المباشرة. فماذا كان موقفهم؟ مرة أخرى، بيانات وإدانات، وصمت فعلي أمام جريمة موصوفة.

 

ورغم هذا السجل، لا يزال بعض السياسيين في لبنان يتهافتون للإشادة بدور هذه القوات، ويبالغون في استنكار أي حادث قد تتعرض له، وكأنها تمثل خط الدفاع الأول عن السيادة الوطنية. غير أن الوقائع الميدانية، منذ دخولها إلى لبنان وحتى اليوم، تطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها: هل منعت عدوانًا؟ هل أوقفت اجتياحًا؟ هل ردعت احتلالًا؟ هل حالت دون القتل والتدمير والاغتيالات؟ الإجابة، في ميزان التجربة، تبدو سلبية بوضوح.

 

وإذا انتقلنا إلى المرحلة الأخيرة، وتحديدًا إلى الأشهر الخمسة عشر التي تلت وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، نجد أن المشهد لم يتغير كثيرًا. دُمّرت مبانٍ، وسقط أكثر من 500 شهيد، فيما بقي دور قوات حفظ السلام محدودًا، إن لم يكن غائبًا. لم نشهد تحركًا حاسمًا، ولا موقفًا يتجاوز حدود البيانات التقليدية.

 

انطلاقًا من ذلك، تتشكل صورة قاتمة في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين. فهذه القوات، التي يُفترض أنها جاءت لحفظ السلام، تبدو في أحسن الأحوال عاجزة عن أداء دورها، وفي أسوأ التقديرات موضع شك لدى البعض، الذين يرون أن جزءًا منها يخدم، بشكل أو بآخر، مصالح إسرائيل، فيما يتحول الباقون إلى مجرد شهود زور لا أكثر ولا أقل.

 

بين النصوص الدولية والواقع الميداني، تتسع الفجوة. وبين الشعارات والنتائج، يترسخ الانطباع بأن القبعات الزرقاء في لبنان لم تكن يومًا عاملًا حاسمًا في حماية الأرض أو الإنسان، بل حضورًا يراقب ويسجل الأحداث دون أن يتدخل فيها أبدا .

lamar
lamar

نائب مدير الموقع

المقالات: 1218

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *