منظومة العمالة، حين يُصادَر القرار ويُعاد تعريف الخيانة. 

 

 

ليسوا مجرد وجوهٍ عابرة في مشهدٍ سياسي مرتبك، بل بنية كاملة تتقن فنّ التلوّن. أولئك الذين يحفظون خطاب السيادة عن ظهر قلب، ثم يمزقونه عند أول أتصال خارجي. لا يتلعثمون حين يكذبون، ولا يرتبكون حين يُسألون، لأن ما يفعلونه ليس إنحرافا.. بل عقيدة مصلحية مكتملة الأركان.

أنتم لا تخطئون، أنتم تختارون. تختارون أن تكونوا وكلاء لا صُناع قرار، وسطاء لا أصحاب موقف، أصداء لا أصوات. تبيعون البلد تحت مسمّيات أنيقة، وتغلفون التبعية بعباراتٍ ناعمة، (إنفتاح) ، (توازن) ، (براغماتية) . لكن خلف هذه الكلمات، هناك حقيقة فجة، أنتم تقايضون السيادة بالنفوذ، والكرامة بالموقع، والوطن بمقعد على طاولة لا يملكها هذا الوطن.

من قال إن العمالة تبدأ من تسليم المعلومات فقط؟ العمالة الحقيقية تبدأ حين يتحوّل الخارج إلى مرجعية، وحين يُقاس الصواب بمدى رضاه، لا بمدى خدمته للناس. تبدأ حين يصبح القرار المحلي مجرّد صدى لتوجيهات لا تُصاغ هنا، وحين يُختزل البلد إلى وظيفة ضمن مشروع أكبر لا يشبهه.

تجلسون في الداخل، لكن بوصلتكم في الخارج. تتحدثون بلسان هذا الشعب، لكن حساباتكم مكتوبة بلغة أخرى. وحين تضيق المساحات، لا تبحثون عن حلول داخلية، بل عن أبواب خلفية تُفتح لكم من هناك. هكذا تتحول الدولة إلى غرفة أنتظار، والقرار إلى رسالة مُعلقة حتى يأتي الرد.

الأخطر أنكم لا تكتفون بالممارسة، بل تُعيدون صياغة الوعي. تزرعون الشك في كل ما هو وطني صلب، تُربكون الناس بخطاب مزدوج، وتُقدّمون الأرتهان كأنه (حكمة) ، والأستقلال كأنه (مغامرة) .والسيادة تصبح عندكم( أنبطاح) تخلقون مناخا” يصبح فيه الثبات تطرفا” ، والتبعية أعتدالا”، والكرامة عبئا” يجب التخفف منه.

أنتم لا تُديرون سياسة، أنتم تُديرون عملية تآكل بطيء. كل تنازل صغير تبرّرونه، هو شق جديد في جدار السيادة. كل صمت تمارسونه، هو توقيع غير معلن على مزيد من الأنكشاف. وكل خطاب تُطلقونه لتجميل الواقع، هو محاولة فاشلة لإخفاء حقيقة تتضخم يوما” بعد يوم.

ثم تأتون لتتحدثوا عن (المصلحة الوطنية) . أي مصلحة هذه التي لا تُرى إلا عبر عيون الخارج؟وتصافح القاتل؟ وتفاوض محتل؟أي وطن هذا الذي يحتاج إلى إذن ليحمي نفسه، أو إلى مباركة ليقرر مصيره؟ الوطن الذي يُستأذن على حدوده، لم يعد وطنا” … بل مساحة مستباحة تنتظر من يملأها.

ولأنكم تعرفون هشاشتكم، تخافون من المساءلة. تحاربون كل صوت يكشفكم، وتُشيطنون كل خطاب يفضح تناقضكم. ترفعون سيف المحاسب بوجه الآخرين، لتخفوا حقيقة أنكم أنتم من حوّل التخوين إلى واقع يومي، لا إلى تهمة.

لكن هذه اللعبة ليست أبدية. فالشعوب قد تصمت، لكنها لا تنسى. والحقائق قد تُؤجل، لكنها لا تُمحى. وكل منظومة تقوم على الأرتهان، تحمل في داخلها بذور سقوطها، لأن الخارج الذي تعتمد عليه، لا يحمي إلا مصالحه… وحين تنتهي فائدتكم، لن يتردد في أستبدالكم.

المعركة اليوم ليست على موقع سياسي، بل على معنى الوجود نفسه: هل نكون أصحاب قرار، أم مجرد وكلاء؟ هل يبقى الوطن فكرة حيّة تُصان، أم يتحوّل إلى سلعة تُتداول؟ هنا، لا ينفع الحياد، ولا تنقذ اللغة. إما موقف واضح… أو سقوط مُقنع،فالحياة وقفة عز فقط

 

نضال عيسى

lamar
lamar

نائب مدير الموقع

المقالات: 1218

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *