الدولة في الشرق الأوسط: من وهم الاستقرار إلى أزمة التعريف

كتب د بشير عصمت

افتتاحية السلسلة

ليس من السهل الحديث عن الدولة في الشرق الأوسط من دون الوقوع في أحد فخّين: إمّا الدفاع عنها بوصفها ضرورة لا غنى عنها رغم كل عيوبها، أو إعلان فشلها بوصفه قدرًا نهائيًا لا مفرّ منه. غير أن ما يجري في هذه المنطقة اليوم لم يعد يسمح بهذا النوع من التبسيط، لأن الدولة لم تعد فقط موضوعًا للنقد أو الحماية، بل أصبحت نفسها موضع سؤال.

ليست المسألة هنا في ضعف بعض الدول أو تعثّر أنظمة بعينها، بل في اهتزاز النموذج الذي قامت عليه هذه الدول أصلًا. فالدولة في الشرق الأوسط لم تُبنَ، في معظم حالاتها، على تعاقدات اجتماعية عميقة، بل على توازنات معقّدة جمعت بين حدود مرسومة في سياقات دولية، وهويات متعددة لم تُدمج فعليًا، وسلطات ركّزت على فرض الاستقرار أكثر مما سعت إلى بنائه.

وقد بدا، في مراحل سابقة، أن هذه الصيغة قابلة للاستمرار، سواء عبر القوة أو عبر التوازنات أو عبر تسويات مؤقتة تعيد إنتاج نفسها عند كل أزمة. غير أن هذا الاستقرار لم يكن مستقرًا بقدر ما كان مؤجّلًا. ومع تراكم التحولات الإقليمية والدولية، بدأت تظهر التشقّقات في العمق: دول تفقد قدرتها على التحكم الكامل، مجتمعات تعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء، وقوى موازية تتقدّم في الفراغ الذي تتركه السلطة.

في هذا السياق، لم تعد الأزمات منفصلة عن بعضها. فالقضية الكردية لم تعد مجرّد مسألة أقلية، بل تحوّلت إلى اختبار لقدرة الدولة على استيعاب التعدد. والحروب التي تشهدها المنطقة لم تعد نزاعات تقليدية، بل صراعات على نماذج الحكم. ولبنان، في أحد وجوهه، لم يعد فقط دولة مأزومة، بل نموذجًا مكثّفًا لما يحدث حين تفقد الدولة قدرتها على تعريف نفسها.

من هنا تنطلق هذه السلسلة. لا لتقدّم إجابات جاهزة، بل لإعادة طرح الأسئلة في مكانها الصحيح. لا لتفكيك الوقائع فقط، بل للبحث في المعاني التي تختبئ خلفها. لأن ما يبدو كأزمات متفرقة قد يكون، في عمقه، تعبيرًا عن أزمة واحدة: أزمة الدولة في فهم ذاتها، وفي تحديد علاقتها بمجتمعاتها.

إن الفكرة التي تجمع هذه النصوص ليست أن الدولة في طريقها إلى الزوال، ولا أنها قادرة على الاستمرار كما هي، بل أنها تقف عند مفترق. فإما أن تعيد تعريف نفسها، على أساس الاعتراف بالتعدد، والمشاركة في السلطة، والانفتاح على الفكر الديمقراطي الحديث بوصفه ممارسة لا شعارًا، وإما أن تستمر في إعادة إنتاج أزماتها بأشكال أكثر تعقيدًا.

وفي هذا المعنى، لا تكون المسألة مسألة حدود أو أنظمة فقط، بل مسألة تفكير. كيف تفكّر الدولة في نفسها؟ كيف ترى المجتمع؟ كيف تمارس السلطة؟ هذه الأسئلة، التي جرى تأجيلها طويلًا، تعود اليوم لتفرض نفسها، ليس كنقاش نظري، بل كشرطٍ للبقاء.

هذه السلسلة محاولة لقراءة هذه اللحظة. لا من خارجها، بل من داخل تناقضاتها. لا لتبسيطها، بل لإظهار تعقيدها. لأن فهم ما يجري لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم ما قد يأتي.

الدولة في الشرق الأوسط: من وهم الاستقرار إلى أزمة التعريف (1)

قراءة في تحوّل الدولة، التعدد، والحرب في زمن انهيار النماذج

الكرد والدولة المستحيلة: لماذا يفشل الحل قبل أن يبدأ؟

حين تتحوّل المسألة الكردية إلى سؤال عن الدولة لا عن الحدود، يصبح اختزالها في نزاع تقليدي نوعًا من إساءة الفهم قبل أن يكون تبسيطًا سياسيًا. فهذه القضية لا تدور، في جوهرها، حول كيان لم يولد فحسب، بل حول نموذج لم ينجح، وحول دولة لم تستطع، منذ نشأتها الحديثة، أن تجد في التعدد عنصرًا من عناصر غناها، بل رأته في معظم الأحيان بوصفه خللًا ينبغي ضبطه، أو خطرًا ينبغي احتواؤه، أو احتمالًا ينبغي الحذر منه. ومن هنا، لم يعد السؤال الكردي مجرد ملف عالق في تاريخ المنطقة، بل أصبح مرآةً حادّة لما في هذا التاريخ من عيوب تأسيسية لم تُحسم، بل أُديرت، ولم تُحلّ، بل أُجّلت.

على امتداد القرن الماضي، لم يكن الأكراد خارج حركات الشرق الأوسط وتحولاته الكبرى، بل كانوا جزءًا منها، بل من أكثر مكوّناتها حضورًا في مفاصلها الحساسة. شاركوا في الحروب، لكنهم لم يقرّروا نتائجها. ثبّتوا وقائع على الأرض، لكنهم لم يملكوا سلطة ترجمتها النهائية. بنوا أشكالًا من الإدارة الذاتية، لكنهم لم يبلغوا السيادة. حصلوا على وعود، لكنها بقيت في الأغلب معلّقة بين الاعتراف والتراجع، بين الحاجة إليهم والخشية منهم، بين استخدام حضورهم والامتناع عن الإقرار بحقوقهم. وهذه المفارقة لا تُقرأ بوصفها حادثًا سياسيًا متكررًا فحسب، بل بوصفها تعبيرًا عن مأزق أعمق، مأزق الدولة نفسها في الشرق الأوسط حين تواجه مكوّنًا لا يمكن نفيه ولا يمكن، في الوقت نفسه، استيعابه وفق المنطق الذي قامت عليه.

وليس من السهل الحديث عن الدولة في هذه المنطقة من دون الوقوع في أحد تبسيطين متقابلين: تبسيط يدافع عنها بوصفها ضرورة مطلقة مهما اعتراها من تصدّع، وتبسيط آخر يعلن فشلها النهائي كما لو أن انهيارها قدر مكتمل لا رجعة فيه. غير أن ما تكشفه المسألة الكردية، على نحو خاص، أن الدولة هنا لم تعد فقط موضوعًا للنقد أو الحماية، بل أصبحت هي نفسها موضع سؤال. كيف نشأت؟ وعلى أي أساس قامت؟ ولماذا عجزت، بعد كل هذه العقود، عن أن تنتج صيغة قابلة للحياة للعلاقة بين السلطة والهوية، بين المركز والأطراف، بين وحدة الكيان وتعدد مكوّناته؟

لقد قامت دول الشرق الأوسط الحديثة على معادلات هشّة منذ البدء. حدود رُسمت في سياقات دولية أكثر مما تبلورت من داخل المجتمعات، وهويات متعدّدة لم تُدمج في تعاقد وطني فعلي، وسلطات انشغلت بفرض الاستقرار أكثر مما انشغلت ببنائه. وفي بعض المراحل، بدا أن هذه الصيغة قادرة على الاستمرار، إما عبر القبضة الأمنية، وإما عبر توازنات إقليمية، وإما عبر تسويات مؤقتة كانت تؤجّل الانفجار وتعيد إنتاجه في آن واحد. لكن هذا الاستقرار لم يكن مستقرًا بقدر ما كان مُرحّلًا إلى لحظة لاحقة. ومع تراكم التحولات، بدأت التصدعات التي كانت كامنة في العمق تظهر إلى السطح: مجتمعات تعيد طرح أسئلة الانتماء، ودول تفقد قدرتها على التحكم الكامل بمجالها السياسي والأمني، وقوى موازية تتقدّم في الفراغ الذي يخلّفه عجز السلطة أو انكفاؤها.

في هذا السياق، لم تعد القضية الكردية مجرّد مسألة أقلية تطالب ببعض الحقوق، بل غدت اختبارًا لحدود النموذج السياسي بأكمله. فهي ليست فقط نزاعًا بين قومية تبحث عن اعتراف ودول تسعى إلى الحفاظ على وحدتها، بل هي، في معناها الأعمق، اختبار لقدرة الدولة على استيعاب التعدد من دون أن ترى فيه مقدمة تفككها. وما يجعل هذه القضية تتجدّد في كل مرحلة ليس فقط استمرار المظلومية التاريخية، بل عجز النماذج السياسية القائمة عن إنتاج صيغة عادلة ومستقرة للعلاقة بين المكوّن الكردي والدولة التي يقع داخلها.

ولدت هذه القضية في لحظة تاريخية ملتبسة، مع انهيار الإمبراطورية العثمانية وتوزع إرثها على دول ناشئة لم تقم على تعاقدات اجتماعية صلبة، بل على توازنات دولية ومصالح متقاطعة وإرادات تأسيسية غير مكتملة. ومنذ ذلك الحين، لم يُنظر إلى الأكراد بوصفهم مكوّنًا سياسيًا له حق المشاركة الكاملة في تعريف المجال العام، بل كمسألة أمنية قابلة للإدارة، أو كورقة توظيف ضمن حسابات تتبدّل وفق الضرورة. وبقي هذا المنطق يتكرّر، بأشكال مختلفة، إلى أن أصبح جزءًا بنيويًا من طريقة الدولة في النظر إلى نفسها وإلى المختلفين داخلها.

غير أن التحوّل الأكثر دلالة لم يأتِ فقط من انكشاف حدود الدولة، بل من التحوّل الذي جرى داخل التفكير السياسي الكردي نفسه. فبعد عقود من الصراع الذي دار، في جزء كبير منه، داخل الأفق القومي الكلاسيكي، برزت محاولة لإعادة تعريف القضية خارج ثنائية الدولة أو الانفصال. وهنا تحديدًا تكتسب مراجعات عبد الله أوجلان الفكرية وزنها الحقيقي. فأهميتها لا تكمن فقط في صدورها عن شخصية مركزية في التاريخ السياسي الكردي، بل في كونها مثّلت محاولة لنقل المسألة الكردية من أفق الدولة القومية إلى أفق الحداثة الديمقراطية.

لم يعد السؤال، في هذا المنظور، كيف يمكن إنشاء دولة كردية مكتملة الشروط، بل كيف يمكن بناء صيغة حكم تعترف بالتعدد وتعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر اتساعًا وعدالة. فمفهوم اللامركزية العميقة، والمشاركة المجتمعية، والاعتراف بالهويات ضمن المجال السياسي نفسه، لا يبدو هنا مجرد تعديل تكتيكي في الخطاب، بل تحوّلًا في إدراك طبيعة المأزق. ذلك أن الإصرار على الكيان المنفصل بوصفه الحل الوحيد لا يفترض فقط إمكان تحقيقه، بل يفترض أيضًا أن نموذج الدولة الذي أخفق في استيعاب التعدد سيصبح صالحًا بمجرد انتقاله إلى يد جماعة أخرى. أما التفكير في الحداثة الديمقراطية، كما انفتح عليه أوجلان، فينطلق من سؤال أعمق: كيف يمكن تجاوز منطق الدولة الصلبة من دون السقوط في الفوضى، وكيف يمكن تثبيت الهوية من دون تحويلها إلى قطيعة، وكيف يمكن منح المجتمع دورًا فعليًا في الحكم بدل أن يبقى موضوعًا للضبط من فوق؟

ومن هذه الزاوية، لا يبدو التعاطف مع هذا المنحى تعاطفًا مع شخص أو سيرة أو تجربة مغلقة، بل انحيازًا إلى محاولة فكرية وسياسية تسعى إلى إخراج الكرد من منطق الحرب الدائمة ومن أفق الوعود المؤجّلة معًا. فالمصلحة الكردية، في هذا المستوى، لم تعد تُختزل في حلم الكيان وحده، بل في الوصول إلى صيغة حديثة من الاعتراف، تضمن الشراكة الكاملة من دون محو الهوية، وتفتح المجال أمام إعادة تعريف الدولة نفسها من الداخل. وهذا التحول، إن صحّت قراءته، لا يخص الكرد وحدهم، بل يخص المنطقة كلها، لأنه يضع الإصبع على موضع العطب في بنية الحكم ذاتها.

لكن هذا الطرح، على الرغم من عمقه النظري، يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا. فالدولة التركية، مثلًا، ظلت تتحرك بين فتح هوامش سياسية ثم إغلاقها تحت ضغط الهواجس الأمنية، كما لو أنها غير قادرة على الحسم بين الإدماج والضبط. وهي، في ذلك، لا تختلف جوهريًا عن أنظمة أخرى في المنطقة ترى في أي توزيع فعلي للسلطة احتمالًا لتآكل المركز، لا فرصة لتجديده. ولذلك، بدا الطرح الأكثر تقدمًا هو نفسه الأكثر اصطدامًا ببيئة سياسية غير مستعدة لحمله.

وفي إقليم كردستان العراق، تبدو المفارقة بأوضح صورها. فثمة شكل من أشكال الدولة يكاد يكتمل: مؤسسات، حكومة، إدارة، علاقات خارجية، ورمزية سياسية متماسكة نسبيًا. غير أن هذا التقدّم الشكلي يخفي في داخله هشاشة عميقة. فالإقليم، على الرغم من توسعه الذاتي، يبقى محكومًا بشبكة معقدة من الاعتمادات: على بغداد في ملفات، وعلى القوى الدولية والإقليمية في ملفات أخرى، وعلى توازنات داخلية تعيق تحوّله إلى كيان سيادي مكتمل. ومن هنا، تتجلّى إحدى الحقائق الأقسى في التجربة الكردية: أن الوصول إلى شبه الدولة لا يعني الوصول إلى السيادة، وأن الاعتراف الدولي ليس حكمًا قانونيًا مجردًا، بل نتيجة شبكة واسعة من المصالح لا يملك الأكراد وحدهم التحكّم بها.

أما في إيران، فالمشهد أكثر هدوءًا في الظاهر، لكنه ليس أقل توترًا في العمق. فالدولة هناك تدير الملف الكردي بحذر شديد، مدفوعة بذاكرة سياسية لا تزال ترى في أي انفتاح واسع احتمالًا لاهتزاز المركز. ولذلك، يُدار الموضوع وفق منطق الاحتواء الصارم، لا وفق منطق الاعتراف السياسي الحقيقي. وتبقى الأسباب التي تنتج التوتر كامنة، حتى حين ينجح النظام في منعها من التحول إلى أزمة مفتوحة.

في ضوء ذلك كله، لا يعود السؤال الحقيقي هو: لماذا لم تقم الدولة الكردية؟ بل: لماذا لم تستطع الدولة في هذه المنطقة أن تنتج نموذجًا يسمح بحلّ القضية الكردية أصلًا؟ فالمسألة، في هذا المستوى، لا تكشف فقط حدود المشروع الكردي، بل تكشف حدود المشروع السياسي الذي قامت عليه الدولة الشرق أوسطية نفسها. أي أنها تعرّي عجز هذه الدولة عن التحول من جهاز سيطرة إلى إطار جامع، ومن سلطة فوق المجتمع إلى عقدٍ معه.

ولهذا، فإن الخيبات المتكررة التي رافقت المسار الكردي لا تُفهم فقط بوصفها فشلًا خاصًا، بل بوصفها نتيجة منطق سياسي أوسع، يُبقي القضايا معلّقة لأنه يجد في تعليقها وسيلة لإدارة التوازنات. فالأكراد، في نهاية المطاف، ليسوا وحدهم في هذا المأزق، لكنهم أكثر من يكشفه بوضوح. ولهذا أيضًا، لا يكون السؤال متى تُحلّ القضية الكردية، بل متى تتغيّر شروط طرحها، ومتى تصبح الدولة نفسها قادرة على أن ترى في التعدد جزءًا من تعريفها لا تهديدًا له.

وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى كل المبادرات، مهما بدت متقدّمة، معلّقة بين طموح النظرية وصلابة الواقع. وستبقى القضية الكردية، أكثر من أي قضية أخرى، شاهدة على الفجوة العميقة بين ما يمكن تصوّره، وما تسمح به البنية السياسية القائمة.

لكن ما تكشفه القضية الكردية لا يتوقف عند حدودها، بل يمتد ليطال الدولة نفسها، بوصفها فكرة لم تعد قادرة على تفسير ما يحدث داخلها.

د. بشير عصمت

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *