كتب رياض الفرطوسي
ليس الصراع الدولي في جوهره مجرد مبارزة بين “رؤوس نووية” أو سباق في “الناتج المحلي”، بل هو في الحقيقة تصادم بين “شيفرات وراثية” ثقافية تسكن وعي صانع القرار. إن الأمن القومي، في أرفع مستوياته، ليس خطة دفاعية توضع على الورق، بل هو “الوجدان الجمعي” الذي يملي على الأمة متى تنحني للعاصفة لتمر، ومتى تتحول إلى سد منيع لا يقبل الانكسار. إن الخطأ القاتل الذي تقع فيه مراكز الدراسات التقليدية هو محاولة قياس سلوك الدول بمسطرة “العقلانية الغربية” الصرفة، متجاهلة أن لكل أمة “بوصلة قيمية” خاصة تحركها، وهي بوصلة لا يمكن فهمها إلا بالدخول إلى عمق مختبرها التاريخي.
تأمل مثلاً في مدرسة “الاشتباك” لدى القوى العظمى؛ فواشنطن تتحرك بعقلية “المستكشف” الذي لا يملك ترف الوقت، فهي أمة شابة بُنيت على فكرة “الفرص المتاحة” والفاعلية الآنية، لذا فإن أمنها القومي هجومي بطبعه، يقدس “الاستباق” ويرى في العالم مسرحاً مفتوحاً لإسقاط نموذجه. وفي المقابل، نجد بكين تتحرك بوقار “الحكيم” الذي يرى الصراع مجرد حلقة في سلسلة زمنية تمتد لآلاف السنين؛ فالأمن القومي الصيني لا ينمو في ثكنات الجيش بقدر ما ينمو في ذاكرة الجماعة التي ترفض تكرار انكسارات الماضي. بالنسبة للعقل الاستراتيجي في الشرق الأقصى، فإن الانتصار لا يتطلب بالضرورة إطلاق رصاصة واحدة، بل يتطلب “نفساً طويلاً” قادراً على احتواء الخصم وتذويبه في مجرى التاريخ، وهو ما يفسر ارتباك الغرب أمام سياسة “الزحف الهادئ” التي تنتهجها الصين.
وعلى صعيدنا العربي، وتحديداً في دول ذات إرث حضاري وضارب في القدم كالعراق، يبرز “الأمن الثقافي” كخط دفاع أول. إن المجتمع الذي يرتكز على قيم “الأنفة” و”المركزية التاريخية” لا يمكن تدجين قراره السياسي عبر الضغوط الاقتصادية وحدها، لأن هناك مخزوناً من الكبرياء الوطني يعمل كمصدات طبيعية ضد الاختراق. إن القائد الذكي هو من يدرك أن “ثقافة الشارع” هي التي تحسم مصير الحروب الطويلة؛ فالسلاح قد يربح معركة، لكن “الهوية” هي التي تحسم الحرب. ومن هنا، يصبح فهمنا لثقافة الخصم، وتفكيك منظومته القيمية، أهم بكثير من إحصاء عدد دباباته وطائراته وصواريخه ؛ فمن يعرف “لماذا يقاتل عدوه” يتفوق بمراحل على من يعرف فقط “بماذا يقاتل”. إنها الحرب في أبهى صورها الذهنية، حيث تتحول الثقافة من مجرد تراث ومأثورات، إلى “عقيدة تشغيلية” تحرك الجيوش وترسم حدود الدول.
















Discussion about this post