اللسانيات المعرفية و النقد الحداثي ،قراءة في نص ” هاجرة بحرية” للشاعرة الهام غانم عيسى
يشتغل الخطاب الشعري المعاصر على اعادة تشكيل التجربة الإنسانية خارج حدود التعبير البلاغي التقليدي ،فلم يعد مجرد تمثيل للعاطفة بل صار فضاء معرفيا ينتج المعنى عبر اليات ادراكية معقدة ،وفي هذا السياق يتيح نص ” هاجرة بحرية” للشاعرة العربية السورية الهام غانم عيسى مقاربة مزدوجة تجمع بين اللسانيات المعرفية وبين التصورات الحداثية في النقد الادبي.
اللسانيات المعرفية اتجاه حديث في دراسة اللغة بوصفها جزءا من البنية المعرفية للانسان ،وليست نظاما مستقلا ومنغلقا كما هي الحال لدى بعض المدارس البنيوية والتوليدية التقليدية.
اما النقد الحداثي ،فهو تيار يمثل تحولا جذريا في طريقة مقاربة النصوص الأدبية ،ينظر إلى النص كبنية لغوية مكثفة بتوتراتها الداخلية فيتحول المعنى من حقيقة ثابتة إلى عملية إنتاج مستمرة داخل اللغة ذاتها فتتفاعل العلامات وتتنازع الدلالات دون أن تستقر على ناويل نهائي ،بهذا فالنقد الحداثي ممارسة تفكيكية تكشف هشاشة المعنى واستحالة استقراره في قوللب ذهنية قريبة ليتحول النص إلى فضاء مفتوح تتولد فيه الدلالة من التوتر بين اللغة وما تحجبه ويتولرى خلفها.
يقوم النص الذي بين ايدينا ” هاجرة بحرية” على بنية دلالية معقدة تتاسس على شبكة من الاستعارات المفهومية لا تفهم بوصفها زخرفا لغويا أو انزياحا بلاغيا ،بل باعتبارها الية إدراكية تنظم من خلالها التجربة العاطفية داخل الخطاب الشعري مكونة ترابطا لمجموعة من التمثلات الاستعلرية التي تتفاعل لتشكيل نموذج ذهني متكامل كما ورد في النص:” مبحرة…..كاليراع” تحولت العاطفة إلى بنية بحرية متكاملة اسقطت فيها الذات حالة الحب في صورة الإبحار ،كما يتعزز هذا النموذج في قوله:” ابحرت صوب مرساك مجذفة بقاربي” فالعلاقة العاطفية اعيد تمثيلها بوصفها انتقالا مكانيا نحو ” مرسى” الذي يمثل الحبيب فيتحول المحب إلى نقطة استقرار ادراكي داخل مسار الرحلة.
هذه الرحلة البحرية الوجودية مفتوحة تنقلب فيها الذات بين الخيبات والنجاة،ويغدو فيها المحبوب مرجعا للامان ،وافقا للانتظار دون أن تبلغ العلاقة استقرارا تاما ،بل تظل في حالة عبور دائم وتحول مستمر.
جاء في النص:” كنت طوق نجاتي كلما داهمتني اعتى الخيبات” فالحب في العبارة الية انقاذ داخل فضاء خطر قائما على ثنائية الخطر والنجاة،هذه الاستعارة ليست مجرد أسلوب تعبيري بل هي بنية فكرية تنظم كيفية ادراكنا للعالم وتجاربنا داخله.
إن الاستعارة الكبرى ” الإبحار” دفعت إلى تحول العلاقة العاطفية إلى رحلة في فضاء بحري مفتوح ظهرت فيه الذات العاشقة كائنا مبحرا انصهرت بداخله حالة شوق دائم ،تداخلت فيه العاطفة باللغة فغدا الحبيب مركزا للنجاة والأمان ومرسى رمزيا تستقر عنده تقلبات العاطفة ،في المقابل، تشكلت الطبيعة عبر صور الطبيعة ( الرياح ،الطيور،النوارس،الموج…)فتتجاوز بذلك الشعور الذاتي إلى البعد الكوني الوجودي.
اما الانزياحات في النص ،فقد شكلت خروجا صارخا للغة عن استعمالها المالوف نحو استعمالات جديدة احدثت اهتزازا في الدلالة وتوسيعا في المعنى وتجلت هذه الالية الجمالية الادراكية في قول الشاعرة:” مجرى….كاليراع” جمعت بين حركتين احداهما تجربة كبرى ( فعل الإبحار) و الثانية كائن صغير مضيء ( اليراع)
وقد تنوعت الانزياحات في النص كقولها:” زوايا الروح والعدم” انزياح شعري مركب يكسر منطق اللغة والعقل المعتاد في تشكيل العلاقة بين المفردات ،وتحويل المفاهيم المجردة (الروح ،العدم) إلى فضاء مكاني له زوايا ما يخلق بين المادي والمعنوي ،والواقع والتخيل و ..هذا التعبير الانيق يعيد تشكيل الوعي بالحالة النفسية للشاعرة عبر لغة مكانية غير مالوفة.
وجاء على لسان الشاعرة ” موسيقى عالمي معلقا كالشراع على خيط افقك” هذا التعبير الباذخ يشتغل على انزياح شعري كثيف يظهر صورة لا تصف فقط بل تتتج احساسا بالهشاشة ( العالم معلق) والتبعية ( مرتبك ،خيط) والتوتر ( بين الثبات والسقوط)
ختاما، ” هاجرة بحرية” نص اعاد تشكيل تجربة الحب باعتبارها هجرة دائمة داخل فضاء بحري رمزي حيث لا يتحقق الاستقرار النهائي للعاشق ،بل تتبدى الذات في حالة عبور مستمر لا ينقطع بين امل وتيه ،وبين نجاة وانجراف.
هاجرة بحرية
ا=======
الهام غانم عيسى
مبحرة.. كاليراع..
حنيني اليك يتراقص شوقا
يتناغم بين الحرف والقلم
يكتبك بكل اللغات ويدونك
ابجدية عشقي الأزلي..
هناك في زاويا الروح والعدمِ
وعلى ناصية القلب
جلسنا تسامرنا تبادلنا
فنون الحب بكلمات سرمدية
حتى أدركنا المساء بالقبلِ
خارجة من أساطير الأولين
كبما أبحرتُ صوب مرساك مجذفة بقاربي
كنت انت طوق نجاتي
كلما داهمتني أعتى الخيبات
أشرعتَ لي نافذة الاملِ
أجيء إليك كي تروي لي ظمأ قلبي
رياح الفرح أتية الي
كالطيور من مروج عينيك
ترفرف كلماتك امام ناظري
نوارس محبة
عابرة للمسافات.. والموج هادر
عبير عشقك المكنون
يشع كالنور من مقلتي
ينهض من ركام المستحيل
كم أعشق الصلاة في فنائك
ياقبلتي الدافئة..
حين ألقاك
سأخبرك يوما
بأنك أروع أحلامي
وأنني استنشق عطر
الحياة من عبقك
وسيبقى عالمي معلقا كالشراع
على خيط أفقك.. دون وداع..


















Discussion about this post