بقلم: سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
السلام ليس مجرد غيابٍ للنزاع،
بل هو حضورٌ كاملٌ للعدالة والرحمة.
السلام لا يتقبله المتشددون،
ولا يؤمن به المتطرفون والإقصائيون،
لأنه يتطلب الاعتراف بالآخر، لا إلغاؤه.
السلام هو مصالح مشتركة حقيقية،
تُبنى من أجل رفاه الإنسان،
لا من أجل الهيمنة أو الانتصار الأحادي.
الله هو السلام،
وجميع الرسالات السماوية أكدت أن العدالة والرحمة
هما الطريق الوحيد لكرامة الإنسان.
فالسلام ليس خيارًا…
بل واجب أخلاقي وإنساني.
لكن، أيُّ سلامٍ هذا الذي يُطرح اليوم؟
وأيُّ سلامٍ يُبنى على اختلالٍ عميق في موازين القوة؟
وأيُّ شراكة تُفرض بالقوة وتُسوَّق كحلٍّ سياسي؟
حين تتحول القوة إلى أداة فرضٍ وهيمنة وتوسع،
وتُدار الصراعات بالقتل والاغتيال،
وتُستهدف المدارس والجامعات،
وتُدمّر القرى والمدن والبنى التحتية…
فإننا لا نصنع سلامًا، بل نعيد إنتاج الحرب.
تدمير القرى والمدن، وترحيل السكان، وقتل الأطفال، واستهداف المدارس والجامعات، وتدمير مرافق الخدمات المدنية العامة…
كلها أعمالٌ ضدّ الإنسانية، وانتهاكٌ صارخ لكل القيم والقوانين والأعراف الدولية.
وهي ممارسات لا يمكن أن تصنع سلامًا،
ولا أن تؤدي إلى أي طريقٍ أو شكلٍ من أشكال السلام،
مهما كانت الذرائع أو الأهداف المعلنة.
فالسلام لا يُبنى على أنقاض البشر،
ولا يولد من معاناة الأبرياء،
بل يقوم على العدالة، وصون الكرامة الإنسانية،
واحترام حق الإنسان في الحياة والأمان.
وما يُزرع بالنار لا يُحصد إلا ألمًا،
ولا يُورّث إلا الكراهية،
ولا يُنتج إلا مزيدًا من الصراع.
الشعب اليهودي،
كما الشعب العربي في فلسطين،
يستحقان السلام.
ومن المؤلم أن يبقى شعبان، تجمعهما الجغرافيا،
رهينين لصراعات طويلة،
تحرم أطفالهما من أبسط حقوقهم في الحياة.
أطفالهم يستحقون أن يعيشوا بحرية،
بكرامة، وبأمان.
لكن هناك مسؤولية واضحة تقع على الأحزاب والمنظمات والفعاليات الفكرية والسياسية والاقتصادية اليهودية،
في فلسطين وحول العالم،
لتكريس ثقافة العيش المشترك، والاحترام المتبادل، والعدالة،
وتجنب تبني أي أيديولوجيات دينية أو سياسية للهيمنة أو السيطرة أو التوسع بالقوة.
لقد أخطأت هذه الجهات عندما ركّزت على بناء القوة العسكرية والتوسع
على حساب القيم الإنسانية.
فبدلًا من استثمار الموارد الضخمة في الحروب والهيمنة والتوسع،
كان الأجدر توجيهها نحو تعليم الإنسان،
وبناء المجتمعات،
وتعزيز المحبة والسلام والتنمية والازدهار.
وفي المقابل، تقع مسؤولية أخلاقية وتاريخية على القوى والدول
التي دعمت واحتضنت الحركات المتطرفة والإقصائية،
والتي أسهمت في تشويه الدين، وإنتاج العنف والإرهاب والتكفير.
مما أعاق كل جهود العيش المشترك،
وعمّق الصراعات الداخلية والطائفية،
وزرع الحقد والكراهية بين الشعوب،
وضد اليهود، وكذلك بين المسلمين أنفسهم ومع الآخرين.
فلا أمن لطرف دون أمن الآخر،
ولا كرامة لشعب على حساب شعب آخر.
القوة ليست شرًا في ذاتها،
فحين تكون في خدمة العدالة، تصبح قوة مشروعة.
أما حين تتحول إلى أداة قهر وهيمنة واستكبار واستبداد،
فإنها تفقد مشروعيتها،
وتصبح مصدرًا دائمًا للعنف والشر.
ولو أن جزءًا من تكاليف الحروب الباهظة
وُجّه نحو بناء الإنسان،
وترسيخ ثقافة المحبة والعيش المشترك،
لكان السلام اليوم أقرب،
وأكثر عدلًا وشمولًا.
فالعالم اليوم لا يحتاج إلى “سلام المنتصرين”،
بل إلى سلام العادلين.
ولا يحتاج إلى توازنات رعب،
بل إلى توازنات عدل.
السلام الحقيقي لا يولد من القوة المجردة،
بل من ضمير يؤمن بأن كرامة الإنسان واحدة،
وأن إنسانية الإنسان هي الأساس.
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”
















Discussion about this post