يشهد العالم اليوم مرحلة انتقالية حادّة ، يتآكل فيها النظام الدولي الذي تكرّس بعد نهاية الحرب الباردة ، فيما يتأرجح توازن القطبية على وقع صراعات مفتوحة تمتد من أوكرانيا إلى إيران ولبنان . ولم يعد هذا التآكل مجرّد تحليل نظري ، بل غدا واقعاً ملموساً يتجلّى في تصاعد التنافس الأمريكي –الصيني الروسي على مسارح متعددة تشمل الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا ، ضمن صراعات متعددة الساحات تعيد رسم ملامح القوة العالمية في مشهد دولي معقّد يتجاوز حدود الحروب التقليدية إلى حروب التكنولوجيا والطاقة والممرات.
في هذا السياق، برز عجز الولايات المتحدة وإسرائيل عن تحقيق نصر سريع على إيران ، رغم التفوّق العسكري ، ليس فقط بفعل القدرات الإيرانية ، بل نتيجة الدعم غير المباشر الذي توفّره كل من روسيا والصين ، إلى جانب تعقيدات المشهد الإقليمي وممانعة قوى فاعلة كتركيا والسعودية وباكستان لحسم الحرب ، فقد أبلغ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الأمريكي ، في وقت سابق من شهر مارس، رفض بلاده الحرب واستخدام الجماعات الكردية ضد إيران، بما يعكس حساسية هذا الملف بالنسبة لأنقرة ، كما أن المعارضة الكردية داخل إيران رفضت الانخراط في أي تحرّك عسكري نتيجة فقدان الثقة بالسياسات الأمريكية، لا سيما بعد التجربة السورية ، إضافة إلى تأخر الولايات المتحدة في دعم الحراك الداخلي، الأمر الذي أسهم في إفشال مشروع تشكيل تحالف معارض فعّال ، وأبقى الحرب ضمن منطق الاستنزاف لا الحسم.
ومع تسارع التطورات، بات واضحاً أن الحرب لم تعد عسكرية فحسب ، بل تحوّلت إلى صراع على شرايين الاقتصاد والممرات العالمية ، فقد اتجهت المواجهة نحو استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط ، ما أسهم في تفاقم أزمة اقتصادية دولية ، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، والتلويح بإغلاق باب المندب ، وفتح جبهة ضغط في شرق البحر الأبيض المتوسط عبر حزب الله ، وبذلك يتشكّل طوق استراتيجي يضغط على الولايات المتحدة وحلفائها ، مستخدِماً أدوات الطاقة والممرات البحرية لإعادة تشكيل موازين القوة.
في المقابل، بدأت ملامح التباين داخل المعسكر الغربي بالظهور ، فقد أقرّ دونالد ترامب بأن دول الناتو الأوروبية لم تقدّم الدعم المطلوب ، في ظل غياب واضح لدول مثل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية ، بينما اقتصر الدعم الفعلي على بعض دول الخليج ، وعلى رأسها السعودية والكويت وقطر والبحرين والإمارات ، يعكس هذا التباين حالة التردد الأوروبي ، خصوصاً في ظل تداعيات أزمة الطاقة ، كما برزت مواقف أوروبية لافتة سواء من فرنسا وألمانيا أو من خلال تصريحات رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ، التي عكست حجم القلق من استمرار الحرب في ظل تراجع إمدادات النفط وتهديد المصانع بالإغلاق ، ما يدفع أوروبا إلى البحث عن حلول براغماتية بعيداً عن التصعيد ، خاصة مع اعتمادها على مسارات طاقة تمر عبر مضيقي هرمز وباب المندب.
ومع تعقّد المشهد، دخلت الحرب مرحلة أكثر حساسية ، عنوانها استهداف مصادر الطاقة لدى روسيا وإيران بوصفها الأداة الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي ولا سيما الصيني . فقد تزامن تهديد ترامب بتدمير البنية التحتية للطاقة في إيران مع تصعيد في أوكرانيا شمل استهداف منشآت تصدير النفط الروسية في البحر الأسود ، إضافة إلى استهداف ناقلة نفط تركية ، في رسالة واضحة بأن الصراع يتجه نحو ضرب مصادر القوة الاقتصادية للخصوم ، غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر كبرى ، إذ قد يؤدي ضرب قطاع الطاقة الإيراني إلى شلل في الأسواق العالمية ، ويقوّض الإمدادات البديلة لأوروبا ، ما قد يوسّع نطاق الرد الإيراني ليشمل الممرات البحرية الحيوية ومصادر الطاقة في الخليج وإسرائيل ، ويفضي إلى أزمة اقتصادية عالمية تطال أوروبا والصين على حد سواء.
في هذا السياق، ردّت الصين على التصعيد الامريكي بمناورات عسكرية واسعة ، في إشارة إلى استعدادها لمواجهة طويلة الأمد ، بالتوازي مع تعزيز احتياطها الاستراتيجي من النفط. وهي تدرك أن الصدام المباشر قد يُؤجَّل ، لكنه بات أقرب إلى الحتمية في ظل مسار التصعيد الراهن.
من هنا، يتبيّن أن الاستراتيجية الأمريكية تتجه إلى إضعاف كلٍّ من روسيا وإيران عبر استهداف قطاع الطاقة والتحكم بالممرات البحرية، ومنع تشكّل أي محور مضاد قادر على كسر إرادتها ، غير أن واشنطن تدرك في الوقت ذاته أن هذه السياسة قد ترتدّ عليها وعلى حلفائها ، لا سيما في ما يتعلق بأمن الطاقة الأوروبي ، وهو ما يفسّر حاجتها إلى هدنة تكتيكية تتيح إعادة ترتيب ملف الطاقة ، وتأمين احتياجات أوروبا ، وتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية قبل أي تصعيد واسع.
وفي خضم ذلك، تحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة رسائل متبادلة بين القوى الكبرى ، فروسيا، عبر أدواتها في إيران ولبنان، بعثت بإشارات تهديد إلى أوروبا من خلال استهداف مصالح بحرية مرتبطة ببريطانيا، في رسالة مفادها أن استمرار استهداف الطاقة الروسية سيقابله تهديد مباشر لخطوط إمداد النفط إلى أوروبا ، وفي الوقت نفسه ، تسعى تركيا إلى منع تهميش دورها في شرق المتوسط عبر الضغط على ممرات الطاقة في سوريا، في ظل تداخل التحركات الإقليمية ، بما فيها تحركات الفصائل الفلسطينية ، ما يعكس صراعاً خفياً على موارد شرق المتوسط ومسارات الطاقة.
في المقابل، استخدمت الولايات المتحدة أدوات ضغط غير مباشرة، من بينها تحريك ملفات إقليمية مثل أزمة السدود الإثيوبية للضغط على مصر، ومحاولة إعادة توجيه خياراتها الاقتصادية الى أوكرانيا بدلا من روسيا ، إلى جانب ضغوط مالية على باكستان ، في سياق إعادة تشكيل مواقف الدول المحيطة بإيران.
غير أن التحول الأهم يتمثّل في أن الولايات المتحدة ، رغم قدرتها على تحقيق بعض المكاسب الاقتصادية أو السياسية الموضعية ، لم تعد تمتلك الهيمنة المطلقة التي طبعت العقود الماضية. فتصاعد التحدي الصيني – الروسي ، وتزايد استقلالية الحلفاء ، وتعدد مراكز القوة ، كلها مؤشرات على تراجع قدرتها على فرض إرادتها بشكل أحادي . لقد انتقلت واشنطن من موقع القوة المهيمنة إلى موقع طرف رئيسي في صراع توازني ، ما يجعل إنجازاتها ، مهما كانت ، جزئية ومؤقتة ضمن نظام دولي قيد التشكّل .
وتعكس هذه التفاعلات حقيقة أن كل حدث محلي بات جزءاً من لعبة دولية أوسع ، وأن المنطقة تعيش حالة غير مسبوقة من تشابك الأزمات ، فالحرب لم تعد تُدار عبر المواجهة المباشرة ، بل عبر شبكة معقّدة من الضغوط والرسائل ، حيث تحمل التصريحات التصعيدية — بما فيها لغة التهديد — وظيفة استراتيجية تتجاوز بعدها الإعلامي ، لتصبح أداة لإرباك الخصوم وإخفاء المسارات الفعلية للصراع.
في ضوء هذه المعطيات، يبرز سؤال جوهري: إلى أين تتجه الحرب؟
هل يستمر نمط الضربات المحدودة والضغوط الاقتصادية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، نظراً لكلفتها الباهظة على الجميع؟
أم أن احتمال الانفجار يبقى قائماً، خاصة في حال استهداف مباشر لمنشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، أو إغلاق فعلي للممرات البحرية، بما قد يفضي إلى أزمة عالمية حادّة تنذر بحرب أوسع؟
في المحصلة، يتجه العالم نحو مرحلة من الصراعات المفتوحة التي لا تُحسم سريعاً، بل تُدار على المدى الطويل ضمن توازنات دقيقة بين القوى الكبرى. ومع استمرار استهداف الطاقة وتصاعد التوتر في الممرات البحرية، يبدو أن السيناريو الأرجح هو استمرار حرب الاستنزاف، مع بقاء خطر الانفجار الشامل قائماً في أي لحظة.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد نزاع إقليمي، بل هو عملية إعادة تشكيل للنظام الدولي، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم الإرادات، في عالم لم يعد يملك مركزاً واحداً، بل يعيش حالة سيولة استراتيجية مفتوحة على جميع الاحتمالات.

















Discussion about this post