بقلم : أمين السكافي
في زمنٍ تتزاحم فيه الضوضاء حتى تكاد تطمس صوت الحق، وتتشابك فيه القضايا حتى يُنسى جوهرها، يقف الأقصى وحيدًا… كشيخٍ طاعنٍ في الألم، يتكئ على ذاكرة السماء وينظر إلى أمةٍ انشغلت عنه، أو لعلها تناسته. ليس لأن الطريق إليه مغلق، بل لأن الطريق في القلوب قد أُغلق قبل أن تُغلق الأبواب.
في خضم هذا الانشغال العاصف—تطبيعٌ يُلبس الخيانة ثوب الحكمة، ومحاولات حثيثة لتمرير فكرٍ غريب يُراد له أن يُمحى به وعي الأمة وتاريخها—تتبدد الأولويات، وتُعاد صياغة البديهيات حتى يغدو الاحتلال “واقعًا”، والمقاومة “مغامرة”، والحق “وجهة نظر”. وفي هذا التيه، يقف من يقف سدًا، ويقاتل من يقاتل، على امتداد جبهاتٍ تتوزع بين الدم والعقيدة، بين الجغرافيا والهوية… لكن السؤال الأثقل يبقى: أين أمة المليارين؟
أأصبحنا عددًا بلا أثر؟ جسدًا بلا روح؟ تاريخًا بلا امتداد؟
الأقصى ليس حجرًا… وليس مجرد معلمٍ أثريٍّ يُزار أو يُذكر في نشرات الأخبار. الأقصى هو بداية الحكاية ونهايتها، هو أولى القبلتين، وثالث الحرمين، وهو قبل ذلك وبعده مسرى الرسول، تلك اللحظة التي انفتحت فيها الأرض على السماء، حين أُسري بالنبي من مكة إلى القدس، ليُعلن أن هذه البقعة ليست أرضًا فقط، بل بوابة إلهية، معبرٌ بين الغيب والشهادة، ومفتاحٌ من مفاتيح السماء.
هناك، في رحابه، صلّى الأنبياء خلف خاتمهم، وكأن الزمان كله اجتمع في لحظةٍ واحدة ليشهد أن هذه الأرض ليست ملكًا لجيل، ولا حكرًا على قوم، بل عهدٌ إلهي يتوارثه أهل الحق. فكيف يُترك هذا العهد؟ وكيف تُنسى هذه الأمانة؟
ويحكم… إنه الأقصى.
أيُّ نومٍ هذا الذي أثقل أعينكم؟ وأيُّ انشغالٍ ذاك الذي سرق منكم نخوتكم؟ أما عادت فيكم حمية؟ أما بقيت فيكم بقية من شهامة؟ أم أن الدين قد تحول إلى طقوسٍ خاوية، تُمارس في المساجد وتُنسى في المواقف؟
هم بضعة ملايين… وأنتم أمةٌ لو اجتمعت لزلزلت الأرض تحت أقدام الطغاة. فهل هم أقوياء حقًا؟ أم أن الوهن قد تسلل إلى قلوبكم، حتى أصبح العجز عقيدة، والاستسلام خيارًا؟
إن الأقصى اليوم لا يسأل عن الجيوش بقدر ما يسأل عن القلوب. لا ينتظر صخب الشعارات، بل صدق النيات. لا يريد دموعًا تُسكب في الخطب، بل عزيمةً تُترجم في الواقع.
هو ينتظر… من؟ ومتى؟ وكيف؟
ينتظر من يعيد تعريف نفسه، لا كفردٍ في عالمٍ مضطرب، بل كجزءٍ من أمةٍ لها رسالة. ينتظر لحظةً يُدرك فيها المسلم أن كرامته من كرامة مقدساته، وأن التفريط بالأقصى ليس حدثًا عابرًا، بل سقوطٌ في ميزان المعنى والوجود.
يا مسلمي العالم… يا من تحملون في أسمائكم إرث النبوة… يا من تقرأون في صلاتكم ذكر الإسراء… أما آن للنداء أن يُسمع؟
يا أيها العرب… يا من سكن التاريخ في لغتكم، واشتعلت الحضارة في حروفكم… أما بقي فيكم من يثور لكرامته؟
بئس أمةٌ تترك أقصاها وحيدًا، وهي في لهوها سادرة، وفي غفلتها غارقة. لكن الأقصى، رغم كل شيء، لا يزال شامخًا… لأنه لا يستمد قوته منكم، بل من وعدٍ إلهي لا يسقط، ومن تاريخٍ لا يُمحى.
ويبقى السؤال معلقًا بين السماء والأرض:
هل تعودون إليه… أم يكتب التاريخ أنكم كنتم الجيل الذي أضاع البوابة إلى السماء؟

















Discussion about this post