بين تفجير البيجر و غزوة بيروت.. بقايا هيمنة

كتب أ. طارق الأحمد عضو لجنة التواصل في الكتلة الوطنية السورية:
بين تفجير البيجر و غزوة بيروت.. بقايا هيمنة
لا غرو أن قرار استعمال البيجر، أو وسائل التواصل المدنية في العمل الحربي، قد شكل مفصلاً أساسياً يجب تأريخه في سجل الصراعات الكونية. لماذا؟
لأن القرار المتخذ من قبل الدولة العظمى الأولى في العالم و التي تهيمن على العالم اصلاً من خلال سيطرتها المدنية التجارية على كبرى شركات الاتصالات و التكنلوجيا، بإجازة تحويل تلك الأدوات إلى المجال الحربي من قبل إسرائيل، يعتبر أكبر نكوص اتجاه العالم المتقدم من قبل أمريكا و يؤسس للمرحلة التالية التي نعيشها وصولاً إلى الشروع بتفكيك أكبر البنى الدولية التي انشئت بعد الحربين العالميتين الأولى و الثانية و أهمها الأمم المتحدة و الناتو ذاته.
في العام ١٩٣٢ كلف “المعهد الدولي للتعاون الفكري” التابع لعصبة الأمم، العالمين الألماني ألبرت أينشتاين و النمساوي سيغموند فرويد بأن يتبادلا المراسلات المتمحورة حول عنوان وحيد هو : ” لماذا الحرب؟” بغية البحث في سبل تجنيب البشرية النزاعات، و هو بالطبع الهدف الأساسي الذي أنشئت من أجله عصبة الأمم في العام ١٩٢٠ أي في اعقاب معاهدة فرساي ١٩١٩ التي أنهت الحرب العالمية الأولى، و من ثم أسست الأمم المتحدة ذاتها في سان فرانسيسكو عام ١٩٤٥ في اعقاب الحرب العالمية الثانية للغاية ذاتها.
لخص ألبرت أينشتاين اجابته لماذا الحرب، بأنها تنشأ من سعي الطبقات الحاكمة للسيطرة بما تملكه من نفوذ على الصحافة و التعليم لاستغلال الجماهير مدفوعة ب ” نزعة الكراهية و التدمير ” المتأصلة في الطبيعة البشرية.
أجاب سيغموند فرويد على السؤال لماذا الحرب بأنها نتيجة حتمية لغريزة العدوان و التدمير(غريزة الموت- ثاناتوس) المتأصلة في النفس البشرية، و التي تتصارع مع غريزة البقاء ( أيروس) . و أوضح أن البشر يحتاجون لتفريغ هذه العدوانية، و أن الحرب هي الوسيلة الجماعية لتصريفها.
ان هذا التحليل يثبت أولا بالدليل العلمي القاطع و وفق أشهر عالمين مؤسسين في فكرة عصبة الأمم بأن غريزة الشهوة للسيطرة و العدوان و التدمير كما قال فرويد و استخدام النفوذ على الصحافة و التعليم( أمريكا تهيمن على كل فضاء الاتصالات و المعلومات في الكوكب) تأتي في طليعة الدوافع لدى الطرف المرتكب للعدوان، و هذا من الناحية النفسية و العلمية.
من الناحية الأخرى يعتبر الجواز الأمريكي “لإسرائيل” بتحويل الاستخدام المدني لأجهزة الاتصالات التي تباع في المتاجر العادية و لكل البشر و التي تستخدم من قبل الطفل و المرأة و الرجل المسن، أكبر ارتكاب جرمي بحق البشرية جمعاء و ليس بحق مجموعة حزبية محددة ببلد معين هو لبنان، و هو يعتبر أكبر جريمة قد تتفوق على جريمة هيروشيما و ناغازاكي لا من ناحية حجم التدمير أكيد، و لكن من ناحية الملابسات لأن البلدين كانا في حالة الحرب، و أما هنا “فإسرائيل” تستخدم أجهزة اتصالات تقع بيد كل البشر كوسيلة حربية.
إن النقص في ميثاق الأمم المتحدة يكمن في الشرح الوافي لمندرجات المادة ٥١ من الميثاق و الذي يقر بالحق الطبيعي للدول( أفراداَ او جماعاتٍ) في الدفاع عن نفسها في حال تعرضها لعدوان مسلح و ذلك كاستثناء عن حظر استعمال القوة حتى يتخذ مجلس الأمن تدابير كافية لحفظ الأمن و السلم الدوليين.
من هنا و كما شكلت معاهدة فرساي الفاتحة لبحث الأمم عن سبل وقف شهوات الهيمنة لدى الدول لافتعال الحروب منذ أكثر من مئة عام، فإن الشهوة الأمريكية الإسرائيلية للتوسع و العدوان المبتدئين في وضع خارطة “إسرائيل الكبرى” على بزة الجندي الإسرائيلي، و تبجح ترامب بالعزم على الهيمنة على جزيرة غرينلاند وصولا الى كندا بعد خطف الرئيس الفنزويلي الشرعي المنتخب نيكولاس مادورو من بلده بواسطة فائض القوة الأمريكية الهائلة، يمثل أهم تجسيد لمقولة أينشتاين حول أسباب الحرب و هو الذي ساهمت معادلته الفيزيائية في تكافؤ المادة و الطاقة في فهم الطاقة النووية و وقع رسالته الشهيرة الى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت من أجل البدء بالأبحاث النووية الأمر الذي وصفه لاحقاً بالخطأ الأكبر في حياته.
غزوة بيروت:
ان الهجوم الإسرائيلي الأعنف على لبنان بأكثر من مئة غارة جوية خلال عشر دقائق هو الاعنف منذ هجوم البيجر كما قال بنيامين نتنياهو، و بالتالي يكون العالم أجمع أمام استحقاق يتجاوز التحليل الحربي او السياسي او حتى الإجرامي التقليدي، اي أننا ههنا أمام سؤال ضخم بحجم السؤال الذي وجه كما اسلفنا إلى العالم سيغموند فرويد، ليجيب عن أسباب الحرب بأنها نتيجة حتمية لغريزة العدوان المتأصلة في المجتمع الإسرائيلي و الذي يمثله بنيامين نتنياهو و لا يقتصر عليه.
ان هذه الغزوة قد جاءت ردا على بداية تنفس الكرة الأرضية جمعاء الصعداء حين استفاقت على إمكانية وقف إطلاق النار و وقف العدوان الأمريكي على إيران، و بالتالي العالم كله اليوم مطالب باعتبار “إسرائيل” الخطر الأكبر على البشرية وفق تحليل فرويد و عليه فإن الجهود كلها يجب أن تنصب على إظهار هذا المعطى لدول العالم، ليس فقط في إطار الاحتلال و حقوقنا المغتصبة فحسب، و إنما في إطار التهديد للجنس البشري الذي تمثله “إسرائيل”، و هذا ما لا نعمل عليه حاليا حتى خسرنا أهم الحلفاء في دول العالم رغم عدالة قضيتنا.
إن تحويل الكيان الإسرائيلي كخطر يهدد الوجود البشري من خلال هيمنته على وسائل الاتصال السلمية الإنسانية و تحويلها إلى أدوات للقتل، ثم الهجوم الأشد عنفا على الأحياء المدنية في لبنان من أجل منع مسار السلام الأخير و تعريض البشرية لخطر اندلاع الحرب العالمية الثالثة، يستوجب السعي في إطار موحد مع المنظمات و الهيئات الدولية لتشكيل أوسع تحالف شعبي اجتماعي دولي للوصول إلى هذه الغاية و هذا ما ينبغي السعي لأجله في المرحلة القادمة.




