شرعية البنيان وسياج الثقة

كتب رياض الفرطوسي
لم تكن معضلتنا يوماً في نصوص الدساتير، بل في “عقد الإذعان” غير المكتوب الذي يكبّل رأس الهرم التنفيذي. إننا نتحدث عن ديمقراطية هشة تشبه قبطاناً يقود سفينة عملاقة، لكن المقود بيدِ عشرةِ رؤساء يسحب كل منهم الدفة نحو شاطئه الخاص. وفي غمرة هذا التجاذب، يغيب الوطن وتغرق السفينة في بحر من “الجمود المحاصصاتي”.
يقول الفيلسوف السياسي نيكولو ميكافيلي في رؤيته لثبات الدولة: “إن القائد الذي يستمد شرعيته من فضل الآخرين لا من كفاءته الذاتية، يظل رهينة لجميلهم”. وهذا هو التحدي الراهن؛ فرئيس الوزراء الذي يأتي عبر بوابة التوافقات الضيقة يجد نفسه “موظفاً بدرجة رئيس” لدى زعماء الكتل. وحين يحاول الخروج عن “النص” أو النهوض بالدولة، يُشهر في وجهه سلاح التذكير الدائم: “نحن من أتينا بك، ونحن من نقعدك”. هنا تتحول السلطة من أداة للبناء إلى ساحة للابتزاز السياسي، حيث يُعتبر الإنجاز الوطني “تهوراً” إذا لم يمر عبر بوابات الأحزاب.
إن كسر هذه الدائرة يتطلب ما يسميه ماكس فيبر “الشرعية الكاريزمية والمؤسساتية” التي تستند إلى الشعب لا إلى الصفقات. التفويض المنشود لا يُمنح في الغرف المظلمة، بل يجب أن يُنتزع عبر “عقد اجتماعي جديد” يضع رئيس الحكومة أمام مسؤولية مباشرة أمام الجمهور. نحن بحاجة إلى رئيس وزراء “محترف ومطلوق اليد”، ليس بمباركة الكتل، بل بضغط الوعي الشعبي الذي يرفض أن يكون المنصب مجرد مكافأة حزبية.
وهنا تبرز قيمة الثقة كجسرٍ وحيد للنجاة؛ فبدون ثقة المواطن، يظل رئيس الحكومة وحيداً أمام أنياب المحاصصة. وكما يرى فرانسيس فوكوياما، فإن المؤسسات القوية هي التي تحمي المسؤول من “تغول الجماعات الخاصة”. إذا لم يتحول المنصب إلى “مسؤولية وطنية” تتجاوز أسماء الأحزاب والقبائل، سنبقى ندور في فلك ساسةٍ لا قيمة لهم خارج أسوار السلطة، ساسة يخشون “التجريد” لأنهم يدركون أنهم بلا رصيد فكري أو أدبي يسندهم.
إن الديمقراطية في بيئتنا اليوم تشبه ساعةً سويسرية دقيقة وُضعت وسط رمالٍ متحركة؛ مهما بلغت دقة عقاربها، ستعجز عن الحركة إذا استمر ضغط المحاصصة في خنق تروسها. الانتقال من “الشيفرة القديمة” إلى “الاحترافية السياسية” ليس ترفاً، بل هو طوق النجاة الأخير. نحتاج إلى تغيير الذهنية التي ترى في الدولة “غنيمة”، والمواطن بحاجة لوعيٍ يحمي رئيس الوزراء “المصلح” بدلاً من تركه لقمة سائغة لمن يظنون أن الوطن ضيعة خاصة.
الطريق لا يبدأ من صندوق الاقتراع فحسب، بل من اللحظة التي يقرر فيها الجميع أن “شرعية البنيان” لا تستقيم إلا إذا كان “سياج الثقة” قوياً بما يكفي ليقف بوجه رغبات الزعامات، ويسمح للقائد بأن يكون خادماً للشعب.. لا موظفاً عند حزب.




