أصالة التمرد

كتب رياض الفرطوسي
في كتابه “تكنولوجيا الذات”، يطرح الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الإنسان على صياغة حياته كتحفة فنية مستقلة بعيداً عن ضغوط السلطة الاجتماعية. هذا التساؤل يلامس جوهر المأساة التي يعيشها الفرد في مجتمعنا اليوم؛ حيث يجد نفسه عالقاً في “برزخ تاريخي” بين إرث حضاري شاهق وواقع يرفض الاعتراف بفرادة الإنسان. نحن نعيش في بيئة تمارس “ديكتاتورية التشابه”، حيث يُنظر إلى الاختلاف كعطب تقني يجب إصلاحه، لا كقيمة إنسانية تستحق الاحتفاء.
إن العقل الذي يختزل الوجود في ثنائيات “الأبيض والأسود” هو ما يسميه عالم الاجتماع الألماني تيو أدورنو بـ “العقل الأدواتي”، الذي يحول البشر إلى مجرد أرقام أو نسخ نمطية داخل آلة المجتمع. هذا العقل لا يكتفي برفض الآخر، بل يطالبه بمرافعة مستمرة لإثبات براءته من تهمة “الاختلاف”. إن الاستنزاف الذي يعيشه العراقي اليوم لتوضيح الواضح هو نوع من “الاغتراب الوجودي”؛ فالمجتمع يريدك نسخة كربونية منه، وفي اللحظة التي ترضخ فيها لهذا القالب، تبدأ عملية التحلل الداخلي وفقدان الاحترام للذات، وهو ما وصفه إريك فروم بـ “الهروب من الحرية” خوفاً من مواجهة العزلة. إن القوة الحقيقية لا تكمن في البطولات الصاخبة، بل في “الإرادة الذاتية” التي ترفض الانتحار النفسي تحت وطأة القوالب الجاهزة. عندما تفرض عليك شخصية لا تشبهك، فأنت تمارس موتاً بطيئاً وتفسخاً للهوية. الفارق بين من يغرق في بركة ماء ومن يزدهر وسط أمواج البحر هو “زاوية النظر” والاستقلال الروحي. نحن بحاجة إلى فك الارتباط بين “الهوية العامة” التي تجمعنا كشركاء في المصير واللغة، وبين “الهوية الفردية” التي هي قدس أقداس الإنسان. فالمجتمع الصحي ليس متحفاً للشمع نصطف فيه كأصنام متشابهة، بل هو قطار يجمعنا في العربة ذاتها، لكنه يمنحنا الحق الكامل في أن نختار محطاتنا، وطرقنا، وحتى صمتنا الخاص، بعيداً عن ضجيج القطيع. أمام التحديات غير المنطقية، لن تجدي الحلول التقليدية نفعاً. الحل يكمن في “الابتكار الوجودي” – أي القدرة على خلق دروب من خارج الأقفاص الفكرية، وتحويل الصدمات إلى “حقائب تجربة” خاصة تبنينا ولا تهدمنا. إن تحررنا يبدأ اللحظة التي نتوقف فيها عن التبرير، ونؤمن أن كوننا “حالات خاصة” ليس عيباً تاريخياً، بل هو ذروة التحضر.




