كأنهم لم يكونوا… لكنهم كانوا كلّ شيء

 

بقلم : أمين السكافي

كأنها لم تكن يومًا مدينة…

وكأنها وُجدت لتكون امتحانًا للوجود نفسه.

 

في بنت جبيل، الفرح لا يشبه الفرح، والحزن لا يشبه الحزن.

هنا، يبكي الناس واقفين، ويضحكون ودموعهم تسبق أصواتهم، كأن القلب تعلّم أن يحمل النقيضين دفعةً واحدة، دون أن ينكسر. هنا، حين تُزفّ الشهادة، لا يُطفأ الضوء… بل يشتدّ، كأن الروح تزداد حضورًا كلما غاب الجسد.

 

كنتُ أمشي فيها، أو كانت تمشي فيّ… لا أدري.

أسيرٌ بالروح، أتلمّس وجوهًا لا أعرفها، لكنها تعرفني، كأننا التقينا قبل هذا العالم، واتفقنا أن نلتقي هنا… في هذه اللحظة تحديدًا، حيث يُختبر معنى الثبات.

 

السماء كانت غاضبة… أو هكذا بدت.

تصبّ نارها بلا هوادة، كأنها تريد أن تمحو الحكاية من أصلها، أن تقتلع الذاكرة من جذورها.

أطنانٌ من الموت تهوي، والبيوت تتهاوى، والطرقات تختنق، وكل شيءٍ يوحي بأن النهاية قد كُتبت… وأنه لم يعد هناك متسعٌ لأي حياة.

 

وفي قلب هذا الخراب… كان هناك ترقّب.

صمتٌ ثقيل، لكنه ليس صمت العجز… بل صمت الولادة.

كأن الأرض تحبس أنفاسها، لا خوفًا… بل انتظارًا.

 

ثم… يبدأ الشيء الذي لا يُشرح.

 

من بين الركام، من تحت التراب، من فوق السطوح التي بالكاد بقيت، ومن خلف صخورٍ تعرف أسماء أصحابها… يخرجون.

لا يخرجون دفعةً واحدة، بل كما يخرج النبض من القلب: متتابعًا، ثابتًا، لا يتوقف.

 

وجوههم… فيها شيء من الفرح الذي لا يُفهم.

ليس فرح النجاة… بل فرح المعنى.

وفيها حزنٌ عميق، حزن الذين يعرفون الطريق حتى نهايته، ولا يتراجعون.

 

يمشون بثباتٍ يُربك النظر.

كأن الأرض خُلقت لتُثبّت أقدامهم، وكأن الزمن ينتظر إشارتهم ليكمل.

لا عجلة في خطواتهم، ولا تردد… فقط يقينٌ صافٍ، كالماء حين يكون في يد العطشان.

 

يتقدم العدوّ…

بصوته العالي، بآلياته، بظنه أنه أحكم الإغلاق على الحياة.

يتقدم وهو يعتقد أن ما أمامه فراغ…

لكن الفراغ هنا خدعة.

 

وفجأة…

ينشقّ الصمت.

 

رعدٌ يولد من صدور الرجال.

مطرٌ من الرصاص، لكنه ليس رصاصًا… كأنه وعدٌ يتساقط، كأنه حجارة من سجيل تعرف طريقها.

تشتعل اللحظة، لا بالفوضى، بل بنظامٍ خفي، كأن كل شيءٍ يحدث في وقته تمامًا، كما لو أن هناك يدًا غير مرئية تدير المشهد.

 

وفي وسط ذلك كله… شيء يشبه الفرح.

فرحٌ غريب، يولد من قلب الخطر، كأن الحياة تقول: أنا هنا، رغم كل شيء.

ويمتزج به حزنٌ نبيل، حزن الذين يودّعون وهم يقاتلون، الذين يتركون أسماءهم على الجدران، ويكملون المسير.

 

يتراجع العدوّ…

ليس فقط لأنه أصيب، بل لأنه لم يفهم.

لم يفهم كيف يمكن لهؤلاء أن يقفوا بعد كل هذا، أن يخرجوا من العدم كأنهم خُلقوا منه، أن يقاتلوا وكأنهم لا يخافون الفناء… أو كأنهم تجاوزوه.

 

وتبقى بنت جبيل…

وتبقى الخيام…

وتبقى الطيبة…

 

لا كأماكن، بل كحالات.

كأنها لحظة معلّقة بين السماء والأرض، حيث يُعاد تعريف الإنسان:

ليس بما يملك… بل بما يثبت.

ليس بما يخاف… بل بما لا يتراجع عنه.

 

وهناك…

في قلب هذا المشهد الذي لا يُشبه شيئًا…

 

أدركتُ أخيرًا:

أن الفرح ليس غياب الحزن…

وأن الشجاعة ليست غياب الخوف…

 

بل أن تقف،

أن تنتظر،

أن تصبر،

أن تبتسم وفي قلبك ألف وجع. ثم تمضي ….

lamar
lamar

نائب مدير الموقع

المقالات: 1218

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *