رباعي ” البريكس” في الإختبارين الأوكراني والإيراني

 

 

يمكن القول أن تأسيس ” منظمة شنغهاي” ، عام 2001 ، و” البريكس” ، عام 2006 ، اللتان ضمتا دولا لا تشغلها الهموم الغربية في السياسة ، ولا في الإقتصاد ، هو فعل نمطي كان يميل لمراجعة النظام الدولي تحت قيادة الولايات المتحدة للنظام الإقتصادي القائم على ” العولمة” و ” الدولرة” ، والقاعدة في تلك المراجعة هي أنه لا يوجد نظام دولي يدوم إلا بمقدار توافر عوامل ” قوته” واستمرارها ، ناهيك عن التأثير الذي تخلفه التوازنات الدولية القائمة على تلك العوامل بشكل يمكن تسميته بتداخل العاملين الذاتي والموضوعي وتأثيرهما على بعضهما البعض ، واللافت هنا هو أن المنظمتان ، اللتان شكل محور موسكو بكين نيودلهي ، عصبهما الأساس ، لم تكن لهما أبعاد أمنية ، أقله حتى هذه اللحظة الراهنة ، ولعل الأمر عائد لاعتبارات خاصة بكل منهما ، منها التباعد الجغرافي الذي فرض ، لربما ، غياب ذلك ” البعد” ، الأمر الذي أدى إلى طغيان نظيره الإقتصادي كوسيلة سانحة لمواجهة تكتل ” مجموعة الدول السبع” ، عبر ثقل اقتصادي ، فحسب ، بعيدا عن الأثقال الأخرى التي كان الظن أنها ستكون ” تحصيل حاصل” في حال توافر هذا الثقل الأخير .

 

 

 

كان الإختبار الأوكراني ، البادئ باندلاع الحرب الروسية الأوكرانية شهر شباط من العام 2022 كاشفا بدرجة كبيرة لما سبق ، فقد اتخذت الصين ، منذ بدء الصراع ، موقفا هو أقرب للحياد ” المتفهم لدوافع في موسكو” في ما ذهبت إليه ، وقد سعت بكين إلى الموازنة ما بين ” الشراكة الإستراتيجية” مع موسكو ، وبين عدم إثارة الغرب الذي تشكل العلاقة الإقتصادية معه رافعة لا بديل عنها لاستمرار النمو الإقتصادي وفق مناسيبه التي يسير عليها ، وفي المطلق حافظت بكين على عدم إدانتها لل” العملية العسكرية الروسية” ، مع استمرار تسجيل موقف الإتهام الموجه للغرب في إشعال نار الصراع عبر سياسات” الناتو” الرامية إلى تحقيق إطباق” جغرافي” على الفضاءات الروسية ، وعلى نحوها ، كان الموقف الهندي من تلك الحرب قد سار على المنوال نفسه ، فقد اتخذت نيودلهي موقفا كان أقرب للموقف الصيني من تلك الحرب ، وهو يقوم على عدم إدانة موسكو تحت سقف عدم إثارة الغرب ، ولم تنس نيودلهي تكرار دعواتها للحوار والسلام في مؤشر يشير إلى محاولة إعطاء ذلك الموقف صبغة ” تهدوية” .

 

 

 

وفي ” الإختبار” الإيراني ، الذي كان أقسى وبما لا يقاس انطلاقا من توقيته ثم تبعا للنتائج التي يمكن أن يفضي إليها ، لم تذهب المواقف ، التي اتخذتها كل من موسكو وبكين ونيودلهي ، بأبعد من تلك التي اتخذتها الأخيرتان من الصراع الروسي الأوكراني ، فمنذ انطلاق الحرب على إيران ، 28 شباط الفائت ، وجهت موسكو نقدا واضحا لتلك الحرب ، معتبرة أنها ” تجاوزت منطق الردع المحدود” ، وفقا لما ورد على لسان المتحدث باسم الكريملن ، الذي أضاف أنها أقرب إلى ” محاولة أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالقوة” ، إلا أن هذا الموقف المتقدم لم يتحول إلى انخراط مباشر في الصراع ، وظل محافظا على الرتم الذي يقول بالدعم السياسي والديبلوماسي ، ولعل من شأن هذا أن يكشف عن ” نمط” روسي كانت له جذوره في المرحلة السوفيتية ثم تعمق ، وشابه الحذر أكثر ، في مرحلة ” النهوض البوتينية” البادئة مطلع هذا القرن ، وهو يقوم على ” إدارة المسافة” و ” تعظيم المكاسب” ، حيث يؤمن الحد الأول التخفيف من أحمال المواجهة ، فيما يراكم الثاني ما تيسر من ” الثمار المتساقطة” من الأشجار التي يعمل الآخرون على هزها ، وإذا ما أردنا توصيفا مختصرا للموقف الروسي من الحرب على إيران يمكن القول أن الروس لم يسعوا إلى لعب دور ” الحياد التقليدي” ، ولا أن يكونوا حليفا في الخنادق ، حيث يمكن لذلك الموقف الكائن بين ذينك الحدين أن يؤمن لموسكو دور الفاعل في رسم مصالحه من خلال الأزمة بما يسمح لها بالتأثير في بعض مخرجاتها ، أو بالنتائج التي سوف تؤول إليها ، من دون أن تكون طرفا مباشرا فيها ، وفي لحظ مرامي ذلك الموقف يمكن القول أن موسكو تسعى إلى عدم تحقيق واشنطن لانتصار كاسح يمكنها ، منفردة ، من إعادة تشكيل الإقليم أحاديا ، وبطريقة تستطيع من خلالها طي هذا الأخير تحت جناحها ولعقود طويلة ، والثابت هنا هو أن ثمة ملمح يبدو من خلال السلوكية الروسية على مدار الحرب وهو يشير إلى أنها ترى في الأخيرة فرصة لإعادة تموضعها داخل الشرق الأوسط ، بعد خسارتها الفادحة في سوريا كانون أول 2024 ، وفي النظام الدولي على وجه العموم .

 

الموقف الصيني من الحرب

 

تقوم السياسة الصينية في منطقة الشرق الأوسط على تعزيز الإستقرار وبناء جسور العلاقة ما بين طهران ومحيطها العربي ، وقد سجل شهر آذار من العام 2023 محطة بارزة في هذا السياق عبر الوساطة الصينية التي نجحت في التقريب ما بين الرياض وطهران وصولا إلى استئناف العلاقات الديبلوماسية بينهما ، الأمر الذي يفسر مدى حرج الموقف الصيني بعيد قيام طهران باستهداف العديد من المواقع والبنى داخل دول مجلس التعاون الخليجي في سياق ردها على العدوان الأميركي الإسرائيلي المشترك ، فالإستهداف بحد ذاته ضار بالمصالح الصينية التي تتركز في قطاعات الطاقة العائدة لتلك الدول ، ناهيك عن إن حجم التبادل التجاري ما بين بكين وهذي الأخيرة يصل الى حدود 257 مليار دولار ، في حين أن نظيره مع طهران لا يتعدى ال 14 مليار دولار في أقصى حدوده ، الأمر الذي يفسر مسارعة الصين نحو لعب دور ” الإطفائية” ما أمكنها إلى ذلك ، وقد سرت تقارير تشير إلى أن بكين جهدت في إقناع طهران بقبول وقف إطلاق النار لمدة 14 يوم ، بدءا من 6 نيسان الجاري ، الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي قبل يوم من هذا التاريخ الأخير ، لكن لربما كان الهدف من تلك التقارير هو تضخيم الدور الصيني في الصراع الدائر ، والشاهد في ذلك هو أن بكين الرسمية كانت قد التزمت الصمت حيال ما ذهب إليه عبد الرضا رحماني فضلي ، السفير الإيراني لدى بكين ، عندما طالب بتحرك صيني ، وروسي ، ل” صون السلام وتعزيز الإستقرار في الشرق الأوسط” ، والمتحدثة باسم الخارجية الصينية ، ماو نينغ ، كانت قد تحاشت الإجابة على أسئلة بهذا الخصوص لمرتان على الأقل .

 

الثابت حتى الآن هو أن بكين أحجمت عن نقل أي تكنولوجيا إلى إيران من النوع الكاسر للتوازن ، والجدير ذكره في هذا السياق هو أن الرئيس الأميركي كان قد هدد الصين إن هي أقدمت على دعم طهران بتقنيات حديثة بفرض رسوم جمركية بنسبة 50 % على البضائع الصينية ، وفي الآن ذاته ذهب ترامب إلى تأجيل صفقة أسلحة كان من المزمع تسليمها إلى تايوان ، وقيمتها تفوق المليارات الأربع ، وفي معايرة الموقف الصيني يمكن القول أن بكين ترى أنها ، هي ، لم تشعل تلك الحرب ، لكنها لا تملك القدرة على إطفائها في ضوء التوازنات الراهنة ، وعليه فإن المكاسب المتأتية من توسط الصين لإنهاء النزاع هي أكبر من كلفتها ، وعلى الرغم من احتمالات توسع الحرب ، الأمر الذي سيكون شديد الضرر بالمصالح الصينية فيما لو حصل ، إلا إن بكين تجنبت القيام بأي التزامات فعلية حيال طهران .

 

 

 

الموقف الهندي

 

كانت للحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط تداعيات سلبية كبرى على الإقتصاد الهندي بمفاعيل الطاقة والتجارة ، وقد أعلنت وزارة المالية ، شهر نيسان الجاري ، في تقرير لها أن ” ارتفاع تكاليف الإستيراد والخدمات اللوجستية ، واحتمال تراجع التحويلات المالية من عشرة ملايين هندي يعيشون في الخليج ، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تأثير كبير على بعض مؤشرات الإقتصاد الهندي” ، وعندما اندلع الصراع في الخليج كانت آثار الصراع الهندي – الباكستاني ، عام 2025 ، لا تزال حاضرة في الذاكرة ، فقد كان عنوان تلك ” الجولة” هو تفوق سلاح الجو الباكستاني بفرعيه الحربي والمسير ، حيث استطاع هذا الأخير تحويل منطقة الحدود الهندية – الباكستانية إلى منطقة اضطراب تشدو على ” إيقاعه” فحسب ، وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار أن ذلك الصراع يشكل امتدادا دقيقا للعلاقة ما بين الصين والولايات المتحدة ، والصين و روسيا ، والصين والهند ، بل وحتى للتوازنات القائمة في منطقة الشرق الأوسط ، أصبح لزاما القول أن الصراعان متشابكان ، والشاهد هو أن مشهد ” الجولة” الهندية الباكستانية كان قد تحرك في شقه الشرق أوسطي عبر زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى نيودلهي ، التي سبقت إعلان الهزيمة بساعات ، حيث وقع الطرفان على اتفاقية الشراكة الإستراتيجية بين البلدين ، والراجح هنا هو أن طهران كانت قد ذهبت نحو خطوة من هذا النوع كخيار استراتيجي اضطراري في ظرف بالغ التعقيد والصعوبة ، ومن الممكن الجزم أن الملامح التي تكشفت عنها جولة الصراع الهندي الباكستاني الأخيرة هي التي رسمت ملامح الصراع الأميركي الإيراني أيضا .

 

 

 

خلاصة

كتكثيف يمكن القول أن نسيج” شنغهاي” و ” البريكس” لا يبدو متجانسا للدرجة التي يصح فيها اعتباره “مفرخة” لعالم متعدد الأقطاب الذي تنشده كلا المنظمتان ، وفي الإختبارات التي مر بها ذلك النسيج أثبت أنه من النوع غير المقاوم للشد بالدرجة التي يمكن الرهان علية في اللعبة الدولية التي تشبه قوانينها إلى حد بعيد من قوانين لعبة ” شد الحبل” التي يعمل كلا طرفاها على الشد بالآخر وصولا إلى تجاوز ” خط المنتصف” .

 

الاقتصاد الذي يخاف من الخبز لا من السلاح.

ما بدأ مع مادورو لن ينتهي عنده: إنه إنهيار القانون الدولي

تجربة اللامركزية في نموذج الإدارة الشعبية الليبية: بين الطموح السياسي وحدود التطبيق

سوريا : الانتقال من دولة السلطة الى دولة المجتمع

لبنان على حافة الاقتلاع: حين تتحول الحرب إلى تهجير بلد وتآكل دولة

 

عبد المنعم علي عيسى

عبد المنعم علي عيسى

عبد المنعم علي عيسى مواليد اللاذقية ١٩٦٤ . احمل اجازة في الهندسة الزراعية من جامعة اللاذقية . كاتب بالعديد من الصحف والمواقع مثل جريدتي الاخبار والديار اللبنانيتين ومركز البيان للدراسات العراقي وموقع برافدا.

 

lamar
lamar

نائب مدير الموقع

المقالات: 1218

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *