حين تصبح كرامة المواطن أولوية مؤجلة

 

 

بقلم: أمين السكافي.

 

ليست الأوطان خرائط تُرسم على طاولات السياسة فحسب، بل هي وجوه الناس حين تبتسم، وأيديهم حين تعمل، وبيوتهم حين يضيئها نور الكهرباء لا نور الشموع، وصنابير المياه حين تجري بما يكفي لحياة كريمة، ومدارسهم حين تفتح أبوابها لأطفال يحلمون بالغد بدل أن يتعلموا معنى الحرمان قبل أن يتعلموا الأبجدية.

 

في لبنان، لم يعد المواطن ينتظر المعجزات، بل بات يحلم بما هو أبسط منها بكثير. يحلم بدولة لا تجعل الحصول على حقه رحلةً من الإذلال، ولا تحوّل الخدمة العامة إلى امتياز، ولا تدفعه إلى البحث عن واسطة أو باب نافذ ليحصل على ما يفترض أنه حق تكفله المواطنة.

 

لقد أصبح اللبناني يعيش على هامش الحياة. يخرج من منزله وهو يحمل همّ الرغيف، وهمّ الدواء، وهمّ المدرسة، وهمّ الإيجار، وهمّ فاتورة المولد، وهمّ الطريق التي قد تتحول حفرة فيها إلى مأساة جديدة. ولم تعد معاناته موسمية أو مرتبطة بأزمة عابرة، بل تحولت إلى يوميات ثقيلة تستنزف العمر قبل الجسد.

 

في خضم هذا الواقع، يبرز سؤال يتردد على ألسنة كثير من اللبنانيين: كيف يمكن للدولة أن تعالج الملفات الوطنية الكبرى، وهي ملفات لا خلاف على أهميتها، من دون أن تتقدم في الوقت نفسه بخطوات ملموسة تعيد للناس شيئًا من كرامتهم وأملهم؟ وهل يجب أن تنتظر القضايا المعيشية انتهاء كل الأزمات السياسية حتى يحين دورها؟

 

إن الدول لا تُبنى بملف واحد، مهما بلغت أهميته. فالدولة التي تنجح هي تلك القادرة على السير في أكثر من مسار في آن واحد؛ تتابع قضاياها الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه لا تغفل عن المواطن الذي ينتظر كهرباء مستقرة، ومياه نظيفة، وطرقات آمنة، ونظامًا صحيًا وتعليميًا قادرًا على الصمود، وحلولًا عادلة لأموال المودعين، وإدارة حديثة تحمي المال العام وتمنع الهدر.

 

ولعل أكثر ما يؤلم في المشهد اللبناني أن كثيرًا من المواطنين لم يعودوا يلجأون إلى الدولة طلبًا لحقوقهم، بل إلى العلاقات الشخصية والوساطات وشبكات الزبائنية. وهذا الواقع لا يجرح كرامة الفرد فحسب، بل يضعف الثقة بالمؤسسات ويكرس شعورًا بأن الحقوق لا تُنال بالقانون، بل بالقرب من مراكز النفوذ.

 

الدولة القوية ليست تلك التي تجعل المواطن محتاجًا إلى من يتوسط له، بل تلك التي تغنيه عن الوساطة أصلًا. فالكرامة تبدأ عندما يشعر الإنسان أن حقه لا يحتاج إلى شفاعة، وأن معاملته تُنجز لأنه مواطن، لا لأنه محسوب على هذا الفريق أو ذاك.

 

ثم تأتي الهجرة، الجرح الذي لا يكاد يخلو منه بيت لبناني. ما من أسرة إلا وتنتظر اتصالًا من ابن أو ابنة في بلاد الاغتراب، يحملان أخبار نجاحهما ممزوجةً بحنين لا ينطفئ. لقد أصبح السفر، بالنسبة إلى كثير من الشباب، مشروع حياة لا حبًا بالابتعاد عن الوطن، بل خوفًا من البقاء فيه بلا أفق. وكل طائرة تغادر تحمل معها جزءًا من مستقبل لبنان، وكأن الوطن يربّي أبناءه لتهديهم الحياة إلى أوطان أخرى.

 

وليس المطلوب أن تُختزل أولويات الدولة في ملف معيشي واحد، كما ليس المطلوب تجاهل الملفات الكبرى. المطلوب هو ألا تصبح كرامة المواطن بندًا مؤجلًا دائمًا. فالكهرباء ليست ترفًا، والمياه ليست رفاهية، والطرقات الآمنة ليست منّة، واسترداد الثقة بالاقتصاد وحماية المال العام وتحسين الخدمات ليست شعارات انتخابية، بل ركائز لأي دولة تحترم شعبها.

 

إن اللبناني لم يعد يطلب الكثير. لا ينتظر الثراء، ولا يبحث عن حياة مترفة. كل ما يريده أن يعيش من تعبه، وأن يربي أبناءه في وطن لا يضطرهم إلى الرحيل، وأن يدخل المستشفى من دون خوف، وأن يشيخ في بيت لا يخشى أن تنطفئ فيه الكهرباء أو أن ينقطع عنه الماء أو أن يفقد فيه مدخرات عمره.

 

تبقى كرامة الإنسان هي المعيار الحقيقي الذي تُقاس به الدول. فإذا شعر المواطن أن الدولة تحميه وتخدمه وتساوي بينه وبين غيره أمام القانون، تولدت الثقة، ونمت المواطنة، وتراجع الاعتماد على الولاءات الضيقة. أما إذا بقيت كرامته مؤجلة، فستظل كل خطط الإصلاح ناقصة، لأن الإنسان هو غاية الدولة وسبب وجودها.

 

ولعل السؤال الذي يستحق أن يبقى حاضرًا هو: متى يصبح اللبناني هو أولوية الدولة، لا مجرد شاهد على أزماتها؟ فالأوطان لا يحفظها الحجر وحده، بل يحفظها الإنسان. وإذا خسر الوطن إنسانه، فلن يبقى فيه ما يستحق أن يُبنى عليه المستقبل .

شارك