حين يصبح الميكروفون أخطر من الرصاصة

 

 

إلى بعض المحللين الذين يجلسون أمام الشاشات ويتحدثون عن المقاومة وكأنهم يجلسون في غرف عملياتها، توقّفوا قليلًا.

أنتم تتحدثون عن سلاحها، عن قدراتها، عن تطور ترسانتها، عن نوعية ما تملكه، وعن المفاجآت التي قد تكون بحوزتها، ثم تظنون أنكم بذلك تخدمون المقاومة وتثبتون قوتها.

لكن اسألوا أنفسكم سؤالًا واحدًا.

مَن يستمع إليكم؟

أنتم لا تتحدثون أمام جمهوركم فقط. أنتم تتحدثون أمام عدو يملك أجهزة أستخبارات، وخبراء، ومحللين، ومؤسسات كاملة مهمتها جمع كل معلومة، وتحليل، كل كلمة، وربط كل تصريح بما سبقه وما سيأتي بعده.

العدو لا يحتاج دائما” إلى أن يحصل على المعلومة من داخل الميدان. أحيانا” يكفيه أن يجلس أمام شاشة، ويستمع إلى محلل يقرر أن يخبره، من حيث يدري أو لا يدري، بما يعتقد أنه موجود لدى المقاومة.

كل كلمة تُقال عن نوعية السلاح، وكل تقدير يُطرح عن القدرات، وكل حديث عن نقاط القوة والضعف، وكل معلومة تُقدّم تحت عنوان (تحليل)، قد تتحول في مكان آخر إلى جزء من صورة أستخباراتية أكبر.

وهنا يجب أن نقولها بوضوح.

المقاومة ليست بحاجة إلى أبواق تشرح للعدو قوتها.

مَن يريد أن يدعم المقاومة، فليعرف متى يتكلم ومتى يصمت. لأن الحرب ليست مسابقة في كشف الأوراق، والقوة ليست في أن نخبر خصمنا بما نملك، وإنما في أن نتركه يعيش تحت وطأة السؤال، ماذا تخبئ المقاومة؟

المشكلة أن بعض المحللين يريدون أن يثبتوا أنهم يعرفون أكثر من الجميع، فيبدأون بإطلاق التوقعات والتفاصيل والأستنتاجات، وكأن الميدان أستديو، وكأن أسرار المعركة مادة للحديث السياسي.

يا)أصدقاء، المقاومة ليست موضوعا” لتحصيل الشهرة الإعلامية، ولا ترسانتها مادة لأستعراض المعرفة أمام الكاميرات.

هناك فرق بين أن تقول إن المقاومة قوية، وبين أن تبدأ بشرح لماذا هي قوية، وماذا تملك، وما الذي يمكن أن تستخدمه، وما الذي تطوره، وما الذي قد تفاجئ به العدو.

الأولى رسالة ردع.

أما الثانية فقد تكون، من حيث لا تقصدون، خدمة مجانية لمَن يراقبكم.

نحن مع المقاومة، ولذلك نرفض أن تتحول قوتها إلى مادة مكشوفة على الشاشات. نرفض أن يقوم بعض مناصريها، بحجة رفع المعنويات، بتحويل كل ما يعرفونه أو يتوقعونه إلى معلومات متداولة.

فليكن واضحًا.

ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُنسى، وليس كل ن يسمعكم صديقًا.

العدو يراقب،والعدو يجمع،

والعدو ينتظر أي معلومة يمكن أن تساعده في بناء صورة عن خصمه.

فإذا كانت المقاومة قد أختارت الغموض، فلا تأتي أنتَ لتكشفه.

وإذا كانت قد أبقت أوراقها مخفية، فلا تجعل من نفسك المتحدث بأسم أوراقها.

وإذا كان سلاحها الحقيقي أن يبقى العدو عاجزا” عن معرفة ما ينتظره، فلا تمنحه أنتَ الإجابة على طبق من ذهب.

في الحرب، هناك مَن يحمل السلاح في الميدان، وهناك من يجب أن يعرف أن الكلمة أيضا” مسؤولية.

فلا تجعلوا من شاشاتكم غرفا” مجانية لتحليل ما يجب أن يبقى مجهولًا.

ارفعوا صوتكم بقوة، المقاومة نعم قوية، لكن اتركوا للعدو أن يخاف من المجهول.

 

نضال عيسى

شارك