رجل الفكر السياسي… بين المستقل والمنتسب

 

 

كتب/ سعيد فارس السعيد :

 

لماذا يحتاج الوطن إلى أصحاب الضمير الحر؟

 

ولماذا يخشاهم المتاجرون بالسياسة؟

 

ففي كل مرحلة مفصلية من تاريخ الأوطان، يبرز نوعان من رجال الفكر والسياسة:

رجال تصنعهم المناصب،

ورجال تصنعهم المبادئ.

 

أما أصحاب المناصب، فقد يعلو نجمهم ما دامت السلطة تؤيدهم، وقد يخفت حضورهم بزوالها.

 

أما أصحاب المبادئ، فإن قيمتهم لا ترتبط بمنصب ولا بسلطة، بل بثباتهم على مواقفهم، واستقلالهم في الرأي، وصدقهم في الدفاع عما يؤمنون به.

 

إن المفكر والباحث السياسي المستقل ليس خصمًا للدولة، ولا منافسًا للسلطة، ولا باحثًا عن موقع أو امتياز، بل هو عقلٌ ناقد، وضميرٌ يقظ، يسعى إلى تصويب المسار، ويقرأ التحولات بعين المصلحة الوطنية، لا بعين الولاء الضيق أو المنفعة الشخصية.

 

_لقد أثبت التاريخ أن كثيرًا من الأزمات لم تكن نتيجة غياب القوة، بل نتيجة غياب الكلمة الصادقة، وتهميش أصحاب الرأي الحر، وإحاطة صانع القرار بمن يوافقه دائمًا، لا بمن ينبهه إلى مواضع الخلل.

 

ولذلك فإن قيمة المفكر الحقيقي لا تكمن في عدد ظهوره الإعلامي، ولا في حجم جمهوره، وإنما في قدرته على قول ما يراه حقًا، حتى عندما يكون ذلك مكلفًا.

فهو لا يغيّر مواقفه مع تغير موازين القوى، ولا يبدل قناعاته تبعًا للمصالح، لأن ولاءه الأول للحقيقة كما يراها، وللوطن كما يتمنى أن يكون، وللإنسان باعتباره الغاية الأولى لكل سياسة رشيدة.

 

وفي المقابل، فإن الانتماء إلى حزب أو مؤسسة أو دولة لا ينتقص من قيمة المفكر إذا حافظ على نزاهته واستقلال حكمه.

 

__ فالمشكلة ليست في الانتماء، بل في أن يتحول الفكر إلى تبرير، وأن تصبح الكلمة أسيرة الولاء، لا أسيرة الحقيقة.

 

غير أن أخطر ما يواجه الفكر المستقل ليس الكاتب الحر، ولا الباحث المستقل، بل أولئك الذين يتاجرون بالسياسة، ويحتكرون الحديث باسم الدولة أو الوطن، ويصورون أنفسهم أوصياء على القرار والرأي العام.

 

فهؤلاء لا يريدون من يطرح رأيًا مستقلًا، ولا يقبلون من يسلط الضوء على الحقائق، أو يقدم أفكارًا إصلاحية قد تخدم الدولة نفسها قبل أن تخدم المجتمع.

 

لأن وجود العقل المستقل يكشف مواطن الخلل، ويُسقط ادعاء احتكار الحقيقة، ويؤكد أن الأوطان تُدار بتعدد الآراء، لا بصوتٍ واحد.

 

إنهم لا يعيشون إلا في بيئة يسودها التهليل، وتغيب عنها المحاسبة، ويُقصى منها كل صاحب رأي حر. ولذلك يحاربون الكلمة الصادقة أكثر مما يحاربون الفساد، ويخشون الباحث المستقل أكثر مما يخشون أعداء الوطن، لأن الحقيقة تهدد مصالحهم، بينما يحميهم التملق ويضمن لهم استمرار النفوذ.

 

فنهجهم يقوم على احتكار القرار، واحتكار الإعلام، واحتكار الضوء، حتى تبقى جميع مفاتيح التأثير بأيديهم وحدهم، بينما يتحول الآخرون إلى مجرد تابعين، لا شركاء في صناعة الرأي أو القرار.

أما الكاتب والباحث المستقل، فلا ينتمي إلى جماعة مصالح، ولا يعمل لحساب حزب أو تيار أو شخص، وإنما ينتمي إلى الحقيقة، ويجعل الوطن والمواطن معيارًا لكل موقف.

 

فإذا وجد صوابًا دعمه، وإذا رأى خطأً انتقده، لأن النقد المسؤول ليس عداءً للدولة، بل هو أحد أهم وسائل حمايتها وتصحيح مسارها.

 

ولقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهار بسبب كثرة الأصوات الحرة، وإنما تنهار عندما يُحاصر الفكر المستقل، ويُقصى أصحاب الكفاءة، ويُفتح المجال للمتملقين والانتهازيين والمتاجرين بالشعارات.

 

إن الدولة القوية لا تخشى الكلمة الصادقة، بل تستفيد منها، وتعتبر الباحثين والمفكرين المستقلين ثروة وطنية، وعقولًا استراتيجية تساعد على تصويب القرار، واستشراف المخاطر، وصناعة المستقبل.

 

أما الذين يحاربون الفكر المستقل، فهم في الحقيقة لا يدافعون عن الدولة، بل يدافعون عن مصالحهم ونفوذهم، ويخلطون عمدًا بين الولاء للوطن والولاء للأشخاص، وبين احترام مؤسسات الدولة والخضوع لمن يحتكر الحديث باسمها.

 

ومن هنا، فإن الاهتمام بالمفكرين والباحثين المستقلين ليس تكريمًا لأشخاص، بل حماية لرأس المال الفكري للوطن، واستثمارًا في الوعي، وضمانةً لوجود أصوات قادرة على تقديم الرأي المسؤول، بعيدًا عن المصالح الضيقة والانفعالات المؤقتة.

 

إن الأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا بالنفاق، ولا بالأصوات التي تقول ما يرضي أصحاب القرار، بل تُبنى بالعقول الحرة، وبالكلمة المسؤولة، وبالضمائر التي لا تساوم على الحق، مهما كانت الكلفة.

 

فالتاريخ لا يخلّد أصحاب المناصب، بقدر ما يخلّد أصحاب المواقف.

 

والكلمة الحرة قد تُحارب زمنًا، لكنها تبقى، بينما يسقط المتاجرون بالمواقف مع أول اختبار للتاريخ.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

“صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”

شارك