لبنان بلد الحريات… فماذا يبقى للكلمة؟

 

 

 

هناك أشياء لا تُقاس بحجمها، وإنما بما تمثّله. والكلمة واحدة منها. قد تبدو جملة يكتبها صحافي، أو مقالًا يوقّعه كاتب، أو سؤالًا يطرحه مواطن، شيئًا صغيرًا في بلد اعتاد أن يعيش على حافة الأزمات الكبرى، لكن التاريخ يعرف جيدًا أن الكلمات التي تبدو صغيرة في لحظتها كانت في كثير من الأحيان بداية التحولات الكبرى. ولهذا فإن أي نقاش حول الإعلام في لبنان يتجاوز حدود المهنة وتشريعاتها وتفاصيلها التقنية، لأنه في جوهره نقاش حول معنى لبنان نفسه، وحول الصورة التي صنعها هذا البلد عبر عقود باعتباره مساحة للحريات، ومنبرًا للاختلاف، ومكانًا يستطيع فيه الإنسان أن يقول ما يعتقده، وأن يسأل، وأن ينتقد، وأن يعارض، وأن يكتب من دون أن يُطلب منه أولًا أن يحصل على إذن بالكلام.

 

لبنان الذي عرفناه لم تكن حرية التعبير فيه تفصيلًا هامشيًا في الحياة العامة، فقد كانت الصحافة جزءًا من تكوينه السياسي والثقافي، وكان القلم حاضرًا في مواجهة الأزمات، وفي النقاشات الوطنية، وفي صناعة الرأي العام، وكانت الصحيفة أكثر من أوراق تحمل الأخبار، وكان الكاتب أكثر من شخص يجلس خلف مكتبه، وكان المنبر مساحة تتصارع فيها الأفكار بدل أن تتصارع الأيدي. لذلك فإن أي قانون يعيد رسم حدود الإعلام لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنًا تقنيًا يخص العاملين في هذه المهنة وحدهم، لأن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز تفاصيل القانون إلى ما هو أبعد: كيف نحافظ على حرية الإعلام ونحن ننظمها؟ وكيف نضمن أن تتحول القوانين إلى وسيلة لحماية الكلمة، لا إلى مساحة تجعل أصحابها أكثر خوفًا منها؟

 

الدولة تحتاج إلى قوانين، والإعلام يحتاج إلى تنظيم، والمجتمع يحتاج إلى حماية من التشهير والكذب والتحريض وخطاب الكراهية، وهذه كلها مسؤوليات مشروعة لا يمكن إنكارها. لكن القوانين التي تمس حرية التعبير تحتاج إلى حساسية استثنائية، لأن الكلمة لا تشبه أي قطاع آخر، والخطأ في تنظيم مجال اقتصادي يمكن تصحيحه بتعديل مادة أو قرار، أما الخطأ في تضييق مساحة التعبير فقد يترك أثرًا أعمق في المجتمع، لأن المسألة لا تتعلق فقط بمن يكتب أو ينشر، وإنما بمن يملك القدرة على طرح الأسئلة، ومن يستطيع أن يراقب أداء السلطة، ومن يملك الحق في الاعتراض، ومن يستطيع أن يقول إن هناك خطأ يحتاج إلى التصحيح.

 

المشكلة لا تبدأ دائمًا من نص يقول بصورة مباشرة إن الكلام ممنوع، وإنما قد تبدأ من عبارات واسعة تجعل الإنسان غير قادر على معرفة الحدود الفاصلة بين الرأي والمخالفة، وبين النقد والتجاوز، وبين المعارضة والتحريض. وحين تصبح هذه الحدود قابلة لتفسيرات متعددة، يبدأ الصحافي بمراقبة نفسه قبل أن يراقبه أحد، ويبدأ الكاتب بحذف العبارة الأقوى من مقاله قبل أن تصل إلى القارئ، ويبدأ صاحب الرأي بإعادة حساب كلماته خوفًا من نتائجها، وهنا تصبح الرقابة أخطر لأنها لا تأتي من الخارج، وإنما تستقر داخل الإنسان نفسه. فالصحافي الذي يتردد في طرح السؤال، والكاتب الذي يخفف موقفه، والمواطن الذي يقرر الصمت لأن الكلام قد يجلب له المتاعب، جميعهم يساهمون من حيث لا يريدون في تضييق المجال العام، ومع الوقت قد يصبح الصمت عادة، وقد يصبح الخوف جزءًا من طريقة التفكير.

 

ولبنان تحديدًا لا يستطيع التعامل مع هذه المسألة وكأنها قضية عابرة، لأن هذا البلد ارتبط اسمه تاريخيًا بتعدد الأصوات. في بلد مليء بالأحزاب والتيارات والطوائف والانقسامات، كانت الصحافة إحدى المساحات التي يستطيع فيها المختلفون أن يتواجهوا بالكلمة بدل المواجهة في الشارع. كانت هناك صحف تختلف في مواقفها، وكتّاب يختلفون في رؤاهم، ومنابر تفتح أبوابها لأصوات متناقضة، وكان الاختلاف جزءًا من الحياة السياسية والثقافية. هذه المساحة لم تكن ترفًا، وإنما كانت إحدى الآليات التي أبقت المجتمع قادرًا على التعبير عن تناقضاته، ولذلك فإن المساس بحرية الإعلام لا يمس الصحافي وحده، وإنما يمس المواطن الذي يحتاج إلى أن يعرف، والناخب الذي يحتاج إلى أن يسمع، والمجتمع الذي يحتاج إلى أن يناقش، والدولة التي تحتاج إلى أن تسمع النقد حتى تستطيع تصحيح أخطائها.

 

الديمقراطية أيضًا لا يمكن اختصارها في صناديق الاقتراع. الانتخابات جزء من الديمقراطية، لكنها لا تختصرها. الديمقراطية تبدأ في اليوم الذي يلي الانتخابات، عندما يعود المواطن إلى منزله ويكتشف أنه ما زال يملك الحق في انتقاد الحكومة، وعندما يستطيع الصحافي أن يسأل الوزير عن قرار اتخذه، وعندما يستطيع الكاتب أن ينتقد مسؤولًا أو حزبًا، وعندما يستطيع المواطن أن يقول إنه غير مقتنع. الديمقراطية تُختبر عندما يظهر الصوت الذي لا يريح السلطة، لا عندما تصفق الأصوات المؤيدة لها. فالسلطة التي تسمح لمن يؤيدها بالكلام لا تقدم بذلك دليلًا كافيًا على ديمقراطيتها؛ الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تسمع من يعارضها، وعندما تتعامل مع النقد باعتباره جزءًا من الحياة السياسية، لا باعتباره تهديدًا يجب احتواؤه.

 

ومن هنا تصبح حرية الصحافة أكثر من حق مهني للصحافي، لأنها إحدى وسائل حماية الدولة من أخطائها. الصحافي الذي يكشف ملفًا عامًا لا يعمل لحساب الصحافة فقط، والكاتب الذي ينتقد قرارًا سياسيًا لا يمارس هواية شخصية، والمواطن الذي يطرح سؤالًا على منصة عامة لا يمارس حقًا معزولًا عن المجتمع. كل هؤلاء يساهمون في صناعة المجال العام، والمجال العام هو المكان الذي تُناقش فيه القرارات، وتُكشف فيه الأخطاء، وتُحاسب فيه السلطة، وتتواجه فيه الأفكار بصورة سلمية. وحين يضيق هذا المجال، تصبح السلطة أقل تعرضًا للمساءلة، ويصبح المجتمع أقل قدرة على اكتشاف الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة.

 

وفي زمن تغيّر فيه مفهوم الإعلام، أصبحت المسألة أكثر تعقيدًا. لم تعد الصحيفة وحدها منبرًا، ولم يعد التلفزيون وحده مصدرًا للأخبار، فالهاتف أصبح صحيفة وشاشة ومنصة في الوقت نفسه، وأصبح المواطن قادرًا على صناعة المحتوى ونشره والوصول إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق. ومن الطبيعي أن يحتاج هذا الواقع الجديد إلى تشريعات تواكبه، وأن تكون هناك قواعد واضحة تحمي الناس من التضليل والتشهير والتحريض، لكن الحداثة لا تعني التضييق، والتنظيم لا يعني إخضاع المجال العام، والقانون الذي ينظم الإعلام يجب أن ينجح في معادلة دقيقة: أن يحمي المجتمع من إساءة استخدام الكلمة من دون أن يجعل الكلمة نفسها في موقع الخطر.

 

وهنا يبرز السؤال السياسي الذي يصعب تجاهله: هل نحن أمام تنظيم يحمي المجتمع من إساءة استخدام الإعلام، أم أمام مرحلة قد يصبح فيها الإعلام أكثر حذرًا في مواجهة السلطة؟ السؤال ليس اتهامًا لأحد، وإنما ضرورة في أي نقاش جدي حول قانون يمس إحدى أهم الحريات العامة. لأن الدولة القوية لا تحتاج إلى صحافة خائفة حتى تثبت قوتها، والسلطة الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى مجتمع صامت كي تحافظ على استقرارها. على العكس، الدولة التي تسمح بالأسئلة تمنح نفسها فرصة لمعرفة أخطائها، والسلطة التي تحتمل النقد تصبح أكثر قدرة على تصحيح مسارها، بينما السلطة التي لا تسمع إلا المديح قد تكتشف أخطاءها بعد أن يصبح إصلاحها أكثر صعوبة.

 

ولذلك فإن المسألة ليست في أن يكون الإعلام فوق القانون، فهذا أمر لا يمكن الدفاع عنه، وليست في إعفاء الصحافي من المسؤولية المهنية أو الأخلاقية. الصحافة مسؤولية، والحرية مسؤولية، والكلمة يمكن أن تؤذي كما يمكن أن تنقذ. لكن المسؤولية تحتاج إلى قانون واضح وعادل، لا إلى مساحة رمادية تجعل صاحب الرأي غير قادر على معرفة أين تبدأ المخالفة وأين ينتهي حقه في التعبير. يجب أن يكون هناك فرق واضح بين الكذب المتعمد والحقيقة، وبين التشهير والنقد، وبين التحريض والرأي، وبين الإساءة الشخصية والموقف السياسي، لأن غياب هذه الحدود يجعل القانون قابلًا لأن يُفهم بطرق مختلفة، وعندها تصبح حرية التعبير مرتبطة بتفسير النص بدل أن تكون حقًا واضحًا ومحميًا.

 

لبنان لا يحتاج إلى لبنان أكثر صمتًا، وإنما إلى لبنان أكثر قدرة على سماع نفسه. يحتاج إلى صحافي يستطيع أن يسأل، وكاتب يستطيع أن يعترض، ومواطن يستطيع أن ينتقد، ومثقف يستطيع أن يختلف، وسلطة تستطيع أن تسمع كل ذلك من دون أن تعتبره خطرًا على وجودها. فلبنان الذي عرفناه لم يكن قويًا لأنه امتلك صوتًا واحدًا، وإنما لأنه عاش بتعدد أصواته، ولأن الاختلاف فيه بقي ممكنًا حتى عندما كان الاتفاق مستحيلًا. وهذه المساحة هي التي تستحق الحماية، لأن خسارتها تعني خسارة جزء أساسي من الشخصية اللبنانية التي طالما تفاخرنا بها أمام العالم.

 

الأوطان لا تفقد حريتها دفعة واحدة، وأحيانًا تبدأ المسألة من تفاصيل تبدو صغيرة. يبدأ الإنسان بمراجعة كلماته، ثم يتجنب موضوعًا حساسًا، ثم يختار عنوانًا أكثر أمانًا، ثم يحذف جملة يعرف أنها ستثير الجدل، ثم يقرر أن الصمت أفضل من وجع الرأس. وفي البداية يبدو الأمر قرارًا شخصيًا، لكن تكرار هذه القرارات الفردية يصنع مناخًا عامًا، والمناخ العام قد يتحول إلى ثقافة، والثقافة قد تصبح واقعًا سياسيًا. عندها لا تعود السلطة بحاجة إلى منع الناس من الكلام، لأن الناس يكونون قد تعلموا كيف يمنعون أنفسهم.

 

لهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا ليس فقط: ماذا يقول قانون الإعلام؟ وإنما ماذا سيحدث للكلمة بعد القانون؟ هل ستصبح أكثر حماية؟ هل سيشعر الصحافي بأن القانون يقف إلى جانبه عندما يبحث عن الحقيقة؟ هل سيشعر الكاتب أن اختلافه مصان؟ هل سيبقى المواطن قادرًا على انتقاد السلطة من دون أن يحسب ثمن كل جملة؟ وهل سيظل لبنان قادرًا على تقديم نفسه باعتباره بلد الحريات والديمقراطية، لا كشعار تاريخي، وإنما كممارسة يومية يعيشها الناس؟

 

لبنان لم يصبح بلد الحريات لأن أحدًا منحه هذا اللقب، وإنما لأن أجيالًا من الصحافيين والكتاب والمثقفين والفنانين والمواطنين حافظوا على حق الاختلاف، ودفعوا أثمانًا كبيرة حتى تبقى الكلمة قادرة على الوصول. ولهذا فإن حرية التعبير ليست امتيازًا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلًا ثانويًا في أي تشريع، وإنما جزء من الذاكرة السياسية والثقافية لهذا البلد. وحين نتحدث عن حماية الصحافة، فنحن نتحدث عن حماية قدرة لبنان على محاسبة نفسه، وحين نحمي الاختلاف، فنحن نحمي ديمقراطيته، وحين نحمي الكلمة، فنحن نحمي واحدة من أهم المساحات التي بقيت مفتوحة أمام اللبنانيين في زمن أُغلقت فيه مساحات كثيرة.

 

قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتغير القوانين، وتتبدل أسماء المسؤولين، لكن يبقى السؤال نفسه حاضرًا: أي لبنان نريد؟ لبنان الذي يستطيع فيه الصحافي أن يختلف، والكاتب أن يعترض، والمواطن أن يسأل، والسلطة أن تجيب؟ أم لبنان الذي يبدأ فيه الناس بتعلم اللغة التي يمكن قولها واللغة التي ينبغي الاحتفاظ بها لأنفسهم؟ بين الصورتين فارق كبير، والفارق ليس في عدد المواد القانونية ولا في عدد المؤسسات، وإنما في مقدار الثقة التي تضعها الدولة في مواطنيها.

 

فالحرية لا تعني أن يقول الجميع الشيء نفسه، والديمقراطية لا تعني أن توافق الناس على السلطة، والإعلام الحر لا يعني الفوضى. الحرية تعني أن يبقى الاختلاف ممكنًا، والديمقراطية تعني أن يبقى الاعتراض مشروعًا، والإعلام يعني أن تبقى الحقيقة قادرة على الوصول حتى عندما تكون مزعجة. وحين تصبح الكلمة خائفة، لا يعود الخوف شأنًا يخص الصحافي وحده، لأن المجتمع الذي يخاف من الكلمة يبدأ تدريجيًا بالخوف من السؤال، ثم من الاختلاف، ثم من الاعتراض، وعندها تكون المسألة قد تجاوزت قانون الإعلام وأصبحت متصلة بصورة الوطن نفسه.

 

ربما لهذا السبب تحديدًا، لا ينبغي أن نتعامل مع النقاش حول قانون الإعلام باعتباره نقاشًا مهنيًا محدودًا بين الصحافيين والجهات المعنية. إنه نقاش حول معنى الدولة، وحول شكل الديمقراطية، وحول المساحة التي نريد أن نتركها للإنسان اللبناني كي يكون مختلفًا من دون خوف. فلبنان الذي نريده للأجيال المقبلة ليس لبنان الذي يتحدث فيه الجميع بصوت واحد، وإنما لبنان الذي يستطيع فيه الجميع أن يتحدثوا بأصوات مختلفة، وأن يختلفوا من دون أن تتحول كلمتهم إلى عبء، وأن ينتقدوا من دون أن تتحول معارضتهم إلى تهمة، وأن يمارسوا حقهم في التعبير باعتباره حقًا أصيلًا لا امتيازًا مؤقتًا.

 

لأن لبنان حين يخسر حرية الكلمة لا يخسر الصحافة وحدها، وإنما يخسر جزءًا من تاريخه، وجزءًا من صورته، وجزءًا من روحه. والبلد الذي لطالما اعتبر أن قوته في تعدده لا يمكنه أن يسمح بأن يصبح الاختلاف مصدر خوف. فالكلمة قد تكون حادة، وقد تكون موجعة، وقد تكون مزعجة، لكنها في الدولة الديمقراطية تبقى أفضل بكثير من الصمت الذي يأتي بعد الخوف. وربما يكون السؤال الأخير والأكثر أهمية اليوم بسيطًا في صياغته، عميقًا في معناه: إذا كان لبنان بلد الحريات والديمقراطية، فهل يحق لنا أن نختلف معه حول معنى الحرية نفسها؟

 

دلال موسى

شارك