
صِدام شرق المتوسط مؤجل الى حين تركيا وإسرائيل ورهانات المشهد السوري الجديد
معادلة الردع الإقليمية: هل تعيد سوريا رسم خطوط المواجهة بين أنقرة وتل أبيب
#عدنان_الروسان
بين رماد العواصم المتساقطة وأدخنة المعارك التي لم تضع أوزارها بعد، تقف المنطقة على أعتاب مرحلة كسرِ عظامٍ لا مكان فيها للحلول الوسط؛ مشهدٌ جيوسياسي مُلتهب تتداخل فيه نتائج “الطوفان” مع تداعيات الحروب الإقليمية، ليصطدم مشروع التوسع بحدود القوة والعمق الاستراتيجي. وفي قلب هذا الغليان، تبرز دمشق وبيروت كخطوط حمر في عقيدة الأمن القومي التركي، لتضع أنقرة وتل أبيب على مسار تصادمي حتميّ قد يفجّر المجهول ويقلب الطاولة على الجميع!
المشاهد تتعدد وتتغير باستمرار في المنطقة؛ فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية كان هناك السابع من أكتوبر، والطوفان ونتائجه وما ترتب عليه، وكان هناك الضاحية الجنوبية في بيروت وما حصل فيها من أحداث جسام، ثم كانت حرب إيران الأولى وحرب إيران الثانية مع أمريكا والعدو الصهيوني، ثم حالات الاستقطاب الحادة التي تحدث في المنطقة.
إن انفتاح الفضاء الإعلامي على مستوى العالم كله جعل من كل الناس مشاريع صحافيين أو إعلاميين أو مصورين، وهذا شيء جيد، غير أن كم المعلومات الكاذبة (Fake News) التي تضخها مواقع التواصل الاجتماعي — والتي تعتمد الشائعة أو تُعتبر المتنفس لجماعات التسلي بالأخبار — يسمم الفضاء العام.
على كل حال…
تصريحات الرئيس أردوغان اليوم كانت قوية ومباشرة بالنسبة لسوريا، ومفادها أن تركيا لن تسمح لإسرائيل بتغيير معالم المشهد الجيوسياسي السوري أو اللبناني، وأن تركيا تعتبر دمشق وبيروت من أولويات المجال الحيوي التركي.
الرئيس التركي شخصية قوية ومؤثرة إقليمياً وعالمياً، وله علاقات قوية مع الولايات المتحدة، وله أيضاً علاقات قوية جداً مع روسيا والصين، وعلاقات طيبة مع إيران وباكستان والسعودية؛ أي أنه شخصية لها وزنها في الإقليم، وبالتالي هو كأي رئيس دولة صاعدة تهمه أولاً مصالح وطنه، ومن ثم مصالح حلفائه الاستراتيجيين في المنطقة.
كون أن لتركيا علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، فهذا لا ينقص من قيمته وتأثيره؛ فالعلاقات تمت صياغتها وإقامتها في زمن حكم العسكر الاتاتوركيين العلمانيين، وقطع تلك العلاقات لا يغير في المعادلة شيئاً، لكن العلاقات بين البلدين دائمة التوتر منذ سنوات طويلة.
اليوم يجد الرئيس التركي نفسه أمام حقيقة لا تحتمل الجدل؛ إنها سوريا.
تركيا لا يمكن أن تسمح بظهور دولة كردية في سوريا ولا في غيرها من البلدان المجاورة، وتتقاطع رؤيتها في هذه النقطة مع الرؤيتين الإيرانية والعراقية، وبالتالي الجميع متفقون على ضرورة منع قيام دولة كردية. وقد كان لهذا التفاهم دوره في قيام تركيا بتسريب معلومات استخبارية عن نوايا بعض الأكراد للدخول إلى إيران بأسلحة أمريكية وأموال أمريكية لمساعدة الجيش الأمريكي في إسقاط النظام الإيراني عبر القلاقل والأحداث الأمنية، وقد أعلن عرقجي عن ذلك وشكر تركيا، وتحدثت تقارير كثيرة في هذا الموضوع، وقد أشرتُ إليه بالتفصيل في مقال قبل أسابيع.
اليوم، وفي خضم حالة الاستعصاء بين أمريكا وإيران وإسرائيل ولبنان، قد تلجأ إسرائيل لمحاولة جس نبض بالتوغل في سوريا واحتلال مناطق جديدة منها، لكن الأمر لن يمر بسهولة على ما أعتقد.
إسرائيل موجودة في سوريا منذ حكم حافظ الأسد، والتوغلات والإنزالات واختطاف المواد والأسلحة والسوريين بقيت مستمرة في زمن بشار الأسد، وبالتالي فإن التوغل والتراجع يُعتبر شيئاًعادياً في المشهد لأنه مستمر منذ ستين عاماً، غير أن مهاجمة سوريا واحتلال أراضٍ جديدة والبقاء فيها كما هو الحال في الجولان لن يحدث.
الجولاني أو الرئيس السوري أحمد الشرع ليس سهلاً؛ فهو يمتلك من الخبرات القتالية الكثير، كما أنه تمكن من تهدئة سوريا وإسقاط نظام الأسد واحتواء “قسد” وإعادة سوريا إلى أجواء أكثر حرية وانفتاحاً، ولم يعد هناك عشرون جهاز أمن ومُنتفعون ومصانع للمخدرات. سوريا ليست جنة، ولكنها لم تعد جحيماً، وتوقفت البراميل المتفجرة على رؤوس السوريين.
خلاصة المشهد أن احتمالات الصدام العسكري بين تركيا وإسرائيل قائمة في أي لحظة؛ فترامب حريص جداً على ألا يغضب نتنياهو وأردوغان، ونتنياهو حريص على إبقاء المنطقة مشغولة بالحروب والقلاقل.
لكن في المحصلة النهائية، لن يكون قراراً سهلاً على إسرائيل أن تخوض حرباً مع تركيا لسببين:
الأول: أن أمريكا لن تدخل حرباً مع إسرائيل ضد تركيا.واشنطن لا تملك القدرة ولا الرغبة في الدخول في مواجهة أو تغطية صدام مباشر بين حليف استراتيجي في الناتو وبين إسرائيل. خطوة كهذه ستؤدي إلى ارتدادات خطيرة على تماسك حلف الشمال الأطلسي وعلى التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط.
والثاني: أن تركيا أقوى بكثير من الكيان الصهيوني ولها عمق استراتيجي هائل وقادرة ليس على الدفاع عن نفسها فحسب، بل وقادرة على إلحاق هزيمة كبيرة بالجيش الإسرائيلي كما تقول تقارير عسكرية غربية مُنتشرة.
هذا واحد من جوانب المشهد، والذي قد يكون الجزء الثاني من الحرب بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإيرانية.



