تجار المواقف على رصيف الهزيمة

 

 

كانوا بالأمس على كل شاشة وكل منبر. يرفعون صور المقاومة، ويتاجرون بدماء الشهداء في خطاباتهم، ويقتاتون من وجع الناس ليصنعوا لأنفسهم مقاعد سياسية، ومناصب، وعقود إعلامية، وحضور إجتماعي لم يكونوا ليحلموا به لولا ظهر المقاومة الذي أستندوا إليه.

كانوا يصرخون بأسمها حين كانت تمنحهم الشرعية، وحين كانت تفتح لهم الأبواب المغلقة. أستفادوا سياسيا فأصبحوا (قيادات) ، واستفادوا إعلاميا” فأصبحوا (محللين أستراتيجيين) ، واستفادوا ماديا” فأنتفخت حساباتهم، واستفادوا دينيا” فلبسوا عباءة الدفاع عن المظلومين.

واليوم؟ الذي حسبوه لحظة ضعف،إنقلبوا.

نفس الألسن التي كانت تمجد الصمود صارت تقذف بالسم. نفس الأقلام التي كانت تكتب عن التضحية أصبحت تبرر للعدو. نفس الوجوه التي كانت تصافح أهالي الشهداء أصبحت تبحث عن رضا السفارات وعن إشارة من المشروع الأميركي والإسرائيلي.

باعوا الكرامة بثمن بخس. ظنوا أن المقاومة ضعفت لأنهم هم ضعفوا في داخلهم. ظنوا أن الحق يُقاس بعدد التصريحات في الإعلام الغربي، وبعدد الزيارات لوكر العمالة في عوكر أو طاولة عشاء في مقر الفتنة في معراب،أو حجم التسهيلات التي يقدمها المحتل.

لكنهم نسوا قاعدتين أساسيتين.

الأولى،أن المقاومة لا تقوم على أشخاص متقلبين. تقوم على حق. والحق لا يشيخ ولا يستجدي أعتراف أحد.

الثانية،أن هناك بيئة كاملة، بيوت صابرة، وأمهات دفنت فلذاتها ولم تنحنِ، وشباب يختارون الجبهة على الراتب، وشعب دفع الثمن غاليا” ولن يسلم قراره لتاجر مواقف.

أنتم لستم محايدين. أنتم شهود زور. إنتقلتم من خندق إلى خندق ليس إقتناعا بل حسابا”. وحين تظنون أن التاريخ سينسى، فأنتم واهمون. التاريخ لا يرحم المتلونين وبائعي المواقف. التاريخ يكتب أسماءكم الآن، وبخط عريض، في الصفحة المخصصة للذين باعوا في لحظة الأمتحان.

القادم من الأيام كفيل بأن يثبت أن المقاومة باقية لأنها فكرة قبل أن تكون سلاحا”. وأن كل مَن راهن على كسرها سيجد نفسه وحيدا”، بلا جمهور، وبلا ماضٍ يفتخر به، واسمه سيُرمى حيث تُرمى كل النفايات في مزابل التاريخ.

أنتهى زمن المتاجرة.

والشرف لا يُشترى مرتين.

 

نضال عيسى

شارك