
هل ستفعلها إيران، ولِمَ لا؟
بوصلة المواقف …
لقد صار مضيق هرمز اليوم عند واحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ؛ فالمسألة لم تعد مجرد خلاف حول فتح ممر مائي أمام السفن، بل تحولت إلى صراع على من يملك قرار إدارة واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وفي قلب هذا الصراع تقف إيران وسلطنة عُمان، فيما تحاول الولايات المتحدة التأثير بصورة مباشرة أو غير مباشرة في شكل الاتفاق الذي يمكن أن ينظم حركة الملاحة في المضيق.
المفارقة أن عُمان، التي اختارت تاريخياً لعب دور الوسيط الهادئ بين الأطراف المتخاصمة، تجد نفسها اليوم في موقف شديد التعقيد. فهي من جهة لا تريد أن تتحول علاقتها مع إيران إلى علاقة عداء، ولا تريد التخلي عن موقعها كشريك في إدارة أمن الملاحة، ومن جهة أخرى ترتبط بعلاقات أمنية واستراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل أي اتفاق مع طهران لا ينسجم مع الرؤية الأمريكية موضع ضغط شديد.
وتشير التقارير الأخيرة إلى أن عُمان طرحت بالفعل تصوراً لإدارة إقليمية مشتركة للمضيق، يقوم على تقاسم الإدارة بين إيران وعُمان، مع مساهمات طوعية من شركات الشحن لتمويل خدمات الملاحة والإنقاذ وحماية البيئة. لكن طهران رفضت صيغة المناصفة، وطرحت بدلاً منها تصوراً يمنحها دوراً أكبر في إدارة مسارات الملاحة، انطلاقاً من أن جزءاً كبيراً من الممر يقع ضمن مياهها الإقليمية.
وهنا تبدأ العقدة الحقيقية.
فإذا تجاوبت عُمان مع المطالب الإيرانية، فقد تجد نفسها أمام اعتراض أمريكي يعتبر أن أي ترتيب يمنح طهران نفوذاً أكبر في المضيق يتعارض مع المصالح الأمريكية وأهدافها في المنطقة. وإذا تراجعت مسقط تحت الضغط الأمريكي، فإنها قد تخسر شيئاً مهماً من الثقة التي بنتها مع طهران، وربما تجد نفسها عاجزة عن أداء الدور الوسيط الذي اشتهرت به.
واللافت أن الضغوط لم تعد مجرد تكهنات سياسية. فقد صدرت خلال الأيام الأخيرة تهديدات أمريكية مباشرة ضد عُمان على خلفية دورها في المفاوضات مع إيران، فيما أكدت تقارير أن المفاوضات العُمانية الإيرانية بشأن إدارة المضيق لا تزال مستمرة.
وهنا يبرز السؤال: ماذا لو أصبحت عُمان غير قادرة على اتخاذ قرار مستقل؟
قد تجد مسقط نفسها أمام معادلة صعبة للغاية: لا تستطيع مواجهة الولايات المتحدة عسكرياً، ولا تريد في الوقت نفسه الدخول في مواجهة مع إيران. وفي هذه الحالة قد يصبح الحل بالنسبة إليها هو تأجيل الاتفاق أو تخفيف مستوى التعاون مع طهران، وهو ما قد تعتبره إيران عملياً تعطيلًا للمسار التفاوضي.
لكن ماذا ستفعل إيران إذا وصلت إلى هذه النقطة؟
هنا تأتي فرضية الانفراد بإدارة المضيق.
قد تجد طهران نفسها أمام خيار تعتبره اضطرارياً: إذا تعذر الوصول إلى صيغة مشتركة مع عُمان بسبب الضغوط الخارجية، فلماذا لا تتولى إيران إدارة الجزء الذي يقع ضمن نفوذها بصورة مباشرة، وتتعامل مع الواقع الجديد بمنطق الأمر الواقع؟
هذا الاحتمال ليس بعيداً تماماً عن الخطاب الإيراني الحالي. فطهران أعلنت في أكثر من مناسبة أنها لا تريد عودة المضيق إلى ترتيبات ما قبل الحرب، وأنها تريد أن يكون لها دور أساسي في تنظيم الملاحة. بل إن مسؤولين إيرانيين أكدوا أن التصور الإيراني يمنح طهران سيطرة على مسار الدخول وجزء من مسار الخروج، مع ترك جزء من الجانب الآخر لعُمان.
لكن السيناريو الأكثر إثارة هو ما يمكن أن يحدث إذا رفضت عُمان المشاركة أو أصبحت عاجزة عن تنفيذ أي اتفاق بسبب الضغط الأمريكي.
في هذه الحالة قد تقول إيران، بمنطق الأمن القومي: إذا كانت الولايات المتحدة تملك قواعد عسكرية في المنطقة، وإذا كانت تعتبر وجودها العسكري أمراً مشروعاً لحماية مصالحها، فلماذا يُطلب من إيران أن تتخلى عن إدارة منطقة استراتيجية تقع إلى جوار حدودها ومياهها الإقليمية؟
وهنا يمكن أن تتبلور معادلة جديدة: التعامل مع الجزء العُماني من المضيق، ليس باعتباره منطقة يمكن أن تتحول إلى منفذ للنفوذ الأمريكي، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة أمنية أوسع يجب أن تخضع للترتيبات التي تفرضها ضرورات الأمن الإيراني.
وهذا لا يعني بالضرورة أن إيران ستعلن ضم الجزء العُماني أو تلغي السيادة العُمانية، فذلك سيكون تصعيداً بالغ الخطورة، بل قد يكون المقصود عملياً فرض نظام ملاحي وأمني جديد يجعل القرار الإيراني هو العامل الحاسم في حركة السفن عبر المضيق.
بعبارة أخرى، قد تنتقل إيران من فكرة الإدارة المشتركة إلى فكرة الإدارة المنفردة بحكم الضرورة، إذا أصبحت الشراكة مستحيلة بفعل التدخل الخارجي.
وهنا يصبح السؤال: هل ستفعلها إيران؟
ولِمَ لا؟
فطهران تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره ورقة استراتيجية لا يمكن أن تسمح بتحويلها إلى أداة ضغط عليها. كما أن الولايات المتحدة نفسها تتعامل مع المضيق باعتباره مسألة استراتيجية عالمية، بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح مؤخراً أفكاراً شديدة التصعيد بشأن مستقبل المضيق، بما في ذلك الحديث عن السيطرة الأمريكية عليه.
وعندما تصل المنافسة إلى هذا المستوى، فإن ترك المضيق من دون إدارة واضحة قد يكون أخطر من فرض إدارة جديدة.
لكن المشكلة أن الانفراد الإيراني بإدارة المضيق ستكون له كلفة كبيرة. فهو قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، ويضع عُمان في موقف بالغ الحرج، كما قد يدفع دول الخليج إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة. وسيكون الاقتصاد العالمي أول المتضررين، لأن المضيق كان قبل الحرب يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
لذلك فإن المسألة لا تتعلق فقط بمن يدير المضيق، بل بمن يمتلك القدرة على فرض قواعد الملاحة فيه.
إذا نجحت إيران وعُمان في التوصل إلى صيغة مستقلة عن الضغوط الخارجية، فقد يتحول مضيق هرمز إلى نموذج جديد للأمن الإقليمي، تكون فيه دول المنطقة هي صاحبة القرار في إدارة ممراتها الحيوية.
أما إذا نجحت واشنطن في منع عُمان من التفاهم مع إيران، فقد تكون النتيجة عكسية تماماً؛ إذ يمكن أن تدفع إيران إلى التشدد أكثر، لا إلى التراجع. وقد تجد طهران أن أفضل وسيلة لحماية مصالحها هي أن تتحمل وحدها مسؤولية إدارة المضيق، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة الضغوط الأمريكية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ربما يكون الضغط على عُمان بهدف منعها من التفاهم مع إيران هو نفسه العامل الذي يدفع إيران إلى التفكير في الاستغناء عن هذا التفاهم.
فإذا أُغلقت أبواب الإدارة المشتركة، فقد تفتح أبواب الإدارة المنفردة.
وهل ستفعلها إيران؟
الجواب لن تحدده التصريحات السياسية وحدها، وإنما ستحدده قدرة طهران على تحويل سيطرتها الفعلية على المضيق إلى نظام دائم لإدارة الملاحة، وقدرة عُمان على الحفاظ على استقلال قرارها، ومدى استعداد واشنطن لتحويل تهديداتها إلى مواجهة مفتوحة.
وفي كل الأحوال، فإن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر للسفن؛ لقد أصبح اختباراً حقيقياً لمن يمتلك قرار الخليج: دول المنطقة، أم القوى الكبرى التي تأتي من خارجها.
بقلم جليل هاشم البكاء



