
هل ستشتعل المنطقة مجددا ؟
أمين السكافي
ليس السؤال اليوم: هل انتهت الحرب؟ بل: هل نحن أمام هدنة مؤقتة بين حربين؟
فالجنوب اللبناني لا يعيش سلاماً بالمعنى السياسي للكلمة، وإسرائيل لا تتصرف كدولة تستعد للانسحاب، وحزب الله لا يتعامل مع الوقائع الجديدة باعتبارها نهاية الصراع. وبين الطرفين تتحرك واشنطن، بينما تبدو المنطقة كلها وكأنها تمسك بأنفاسها، من طهران إلى بغداد ودمشق والرياض وأبوظبي.
خلال الأيام الأخيرة ارتفعت وتيرة الضربات الإسرائيلية في الجنوب، وسقط 11 شخصاً في يوم واحد، في واحدة من أكثر جولات التصعيد دموية منذ تثبيت ما سمي بالهدنة. والأخطر أن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس أعلن بوضوح أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان قبل نزع سلاح حزب الله، في موقف يتناقض مع الإطار الذي رعته الولايات المتحدة نفسها، والذي يفترض انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً بالتوازي مع ترتيبات أمنية لبنانية.
هنا تبدأ الحكاية.
إسرائيل لا تبدو راغبة في العودة إلى حرب 2006 بالصورة نفسها، لكنها تريد شيئاً قد يكون أخطر: حرباً مفتوحة منخفضة الوتيرة، قابلة للتحول في أي لحظة إلى حرب واسعة، إذا لم تحقق أهدافها بالضغط السياسي والعسكري.
فنتنياهو قال إن إسرائيل سترد بقوة على أي تهديد، بينما يكرر كاتس أن لا عودة إلى الوراء قبل معالجة قضية سلاح حزب الله. وفي الإعلام الإسرائيلي تظهر قراءة أخرى: إسرائيل تعتقد أن بقاء قواتها في الجنوب والضغط المتواصل على الحزب يمكن أن يغيّرا ميزان القوى داخل لبنان نفسه.
لكن المشكلة أن هذه السياسة تحمل تناقضها في داخلها.
فصحيفة هآرتس حذرت من أن الاحتلال الإسرائيلي الطويل لأجزاء من جنوب لبنان قد يمنح حزب الله، الذريعة التي يحتاج إليها لإعادة إنتاج نفسه سياسياً وشعبياً باعتباره قوة مقاومة للاحتلال.بل إن بعض التحليلات الإسرائيلية ترى أن إسرائيل قد تكون بذلك تعرقل فرصة التوصل إلى تسوية لبنانية ـ إسرائيلية أوسع.
أما واشنطن، فالصورة لديها أكثر تعقيداً.
فالولايات المتحدة لا تريد حرباً جديدة في لبنان، ليس حباً بلبنان، وإنما لأن أي انفجار واسع قد ينسف المسار الذي تحاول من خلاله إعادة ترتيب المنطقة بعد الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران. ولذلك بعثت واشنطن برسالة واضحة إلى إسرائيل بأن وجوداً عسكرياً إسرائيلياً دائماً في الجنوب لا ينسجم مع الإطار الأميركي ـ اللبناني ـ الإسرائيلي الذي جرى الاتفاق عليه.
لكن واشنطن، في الوقت نفسه، لا تريد أن تمنح حزب الله انتصاراً سياسياً.
وهذه هي العقدة.
إيران أيضاً لا تبدو راغبة في حرب شاملة الآن. طهران خرجت من المواجهة الكبرى مع الولايات المتحدة وإسرائيل وهي تعيد ترتيب أوراقها. وهي بحاجة إلى تثبيت ما بقي من نفوذها، لا إلى فتح جبهات جديدة تستنزفها. ولهذا تبدو سياستها الحالية أقرب إلى إدارة أدوات القوة الموجودة في العراق ولبنان واليمن، لا إلى إطلاق حرب إقليمية شاملة.
العراق يقدم مثالاً بالغ الدلالة. فالحكومة العراقية تضغط باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، فيما تجري مفاوضات مكثفة مع إيران بشأن مستقبل الفصائل المسلحة، وسط حديث عن مهلة لنزع السلاح وإجراءات أمنية محتملة إذا فشلت المفاوضات. وهذا يعني أن بغداد لا تريد أن تكون ساحة حرب جديدة بين واشنطن وطهران، حتى لو بقيت الفصائل العراقية جزءاً من معادلة الردع الإقليمية.
أما سوريا الجديدة، فهي في وضع مختلف تماماً عن سوريا الأسد.
دمشق تحاول حماية حدودها ومنع عودة النفوذ الإيراني عبر أراضيها، وقد عززت قواتها على الحدود السورية ـ العراقية وسط تقارير عن نشاط لخلايا مرتبطة بإيران وحلفائها. وفي المقابل تتزايد الاتصالات السورية مع السعودية والإمارات، بما يعكس تشكل بيئة عربية جديدة أكثر تشدداً تجاه تمدد النفوذ الإيراني.
والرياض وأبوظبي بدورهما لا تبدوان مستعدتين للدخول في حرب.
السعودية تريد الاستقرار والاستثمار وإعادة بناء موقعها الإقليمي، والإمارات تريد حماية أمنها الاقتصادي والتجاري. لكنهما في الوقت نفسه لا تستطيعان تجاهل الخطر الإيراني، خصوصاً بعد الهجمات التي طاولت دول الخليج خلال المواجهة الأخيرة. ولذلك تبدو العواصم الخليجية أقرب إلى الضغط السياسي والاحتواء منها إلى المشاركة في حرب جديدة.
فأين لبنان من كل ذلك؟
هنا تكمن المفارقة الكبرى.
الحكومة اللبنانية تقول إن التصعيد الإسرائيلي يقوض جهود تثبيت الاستقرار، وإن معالجة أي سلاح غير شرعي هي مسؤولية الدولة اللبنانية وحدها، لا ذريعة لإسرائيل كي تستبيح الأراضي اللبنانية وفي الوقت نفسه تجري اتصالات أميركية ـ لبنانية ـ إسرائيلية حول الحدود والأسرى وآليات التحقق من ترتيبات الجنوب. وقد تحقق بالفعل تقدم محدود في بعض الملفات.
إذن نحن أمام مسارين متناقضين:
مسار تفاوضي يريد تثبيت الهدوء، ومسار عسكري إسرائيلي يريد فرض شروط الهدوء بالقوة.
وهنا يصبح السؤال: هل تقع الحرب؟
تقديري أن احتمال اندلاع حرب واسعة خلال الأسابيع المقبلة يبلغ نحو 35 إلى 40 في المئة، بينما يبقى احتمال استمرار الحرب المحدودة، والغارات والاغتيالات والعمليات الموضعية والضغط العسكري، أعلى بكثير، في حدود 60 إلى 65 في المئة.
لكن النسبة لا تعني الكثير إذا وقع الحدث الذي لا يستطيع أحد التحكم به.
صاروخ يقتل عدداً كبيراً من الإسرائيليين، اغتيال شخصية كبيرة، سقوط جنود إسرائيليين بأعداد مؤثرة، ضربة تصيب منشأة استراتيجية، أو عملية تنفذها جهة إقليمية خارج الحسابات اللبنانية؛ كلها يمكن أن تحول حرب الأعصاب إلى حرب حقيقية خلال ساعات.
ولهذا لا أعتقد أن الحرب، إن وقعت، ستعلن ببيان رسمي.
قد تبدأ بغارة.
ثم بغارات.
ثم برد.
ثم برد أكبر.
ثم تكتشف المنطقة أنها دخلت الحرب قبل أن يجد أحد الوقت ليسأل: من بدأ؟
والأخطر أن إسرائيل لا تحتاج اليوم إلى قرار مسبق بحرب شاملة. يكفي أن تستمر في سياسة الضغط بالنار، وأن يبقى حزب الله مصراً على معادلة الرد، وأن تفشل المفاوضات في إنتاج تسوية مقبولة.
عندها يصبح الجنوب اللبناني برميل بارود، لا لأن أحداً يريد إشعال الحرب بالضرورة، بل لأن الجميع يعتقد أنه يستطيع الاقتراب من النار من دون أن يحترق.
وهذه، في تاريخ المنطقة، كانت دائماً بداية الحرب.
لذلك فإن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، وربما يكون أيلول هو الاختبار الحقيقي: إما أن تنجح المفاوضات في إنتاج آلية انسحاب إسرائيلية وترتيبات أمنية قابلة للحياة، وإما أن يتحول التعثر إلى ذريعة إسرائيلية لتوسيع العمليات.
وفي الحالتين، يبقى لبنان هو الحلقة الأضعف في معادلة أكبر منه.
لكن لبنان ليس وحده هذه المرة.
إيران تراقب، والعراق يحاول منع الانفجار، وسوريا تعيد رسم حدودها، والسعودية والإمارات تبحثان عن مخرج من النار، وواشنطن تريد إدارة المنطقة لا إشعالها.
أما إسرائيل، فتبدو كأنها تريد أن تثبت أن السلام الذي لا يمر من بوابتها الأمنية ليس سلاماً.
وهنا تحديداً يكمن الخطر.
فإذا انتصر منطق التسوية، قد يكون لبنان أمام فرصة نادرة لوقف دورة الحرب.
أما إذا انتصر منطق القوة، فقد لا نكون أمام حرب 2006 جديدة، بل أمام حرب إقليمية متعددة الجبهات، تبدأ من الجنوب ولا أحد يعرف أين تنتهي.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحن ذاهبون إلى الحرب؟
بل:
هل ما زال أحد في هذه المنطقة قادراً على إيقافها إذا بدأت ؟



