“الإجراءات اللازمة عند شمّ رائحة القنابل الفوسفورية أو الغازات السامة”

 

 

إعداد د. عباس وهبي

 

عند شمّ رائحة دخان يُشتبه في أنه ناتج عن قنابل الفوسفور الأبيض، فإن الأهم هو التعامل معه باعتباره دخانًا كيميائيًا مهيِّجًا، وعدم محاولة تحديد المادة من رائحتها وحدها. فالفوسفور الأبيض له رائحة قد تُشبه الثوم، لكن الدخان الناتج عن احتراقه يحتوي أيضًا على نواتج احتراق ومواد مهيِّجة أخرى.

أولًا: الوقاية عند وجود الدخان

الابتعاد فورًا عن منطقة الدخان، والتوجه إلى مكان عكس اتجاه الريح، إذا كان ذلك ممكنًا وآمنًا.

يُفضَّل الدخول إلى مبنى مغلق أو إلى غرفة داخلية بعيدة عن مصادر الهواء الخارجي.

إغلاق النوافذ والأبواب، وإيقاف أجهزة التهوية أو التكييف التي تسحب الهواء من الخارج.

إذا اضطررتم إلى الخروج، فإنّ جهاز التنفس الوقائي المعتمد والمناسب للملوث الموجود أفضل بكثير من الكمامة العادية. فالكمامة الجراحية أو القماشية لا توفر حماية موثوقة من الغازات والأبخرة السامة.

عدم لمس أي مادة أو شظايا أو جسيمات مضيئة أو مشتعلة على الأرض، لأن الفوسفور الأبيض قد يسبب حروقًا شديدة عند ملامسته للجلد.

الفوسفور الأبيض أثقل نسبيًا وقد يتجمّع دخانه في الأماكن المنخفضة (الطوابق السفلية، الحفر، الأقبية)، لذا يُفضَّل تجنّب البقاء فيها عند الاشتباه بوجوده.

يُستحسن تغطية أواني الطعام ومصادر مياه الشرب المكشوفة عند وجود دخان في المنطقة.

مرضى الربو أو الأمراض التنفسية المزمنة: عند التعرض للدخان وشعورهم بأي ضيق تنفسي أو أزيز، يُستحسن استخدام بخاخهم الموسّع للشعب الهوائية (بخاخ الطوارئ الخاص بهم) كما هو موصوف لهم طبيًا، وعدم الانتظار حتى تتفاقم الأعراض، مع التوجه للرعاية الطبية إذا لم يتحسنوا بعد استخدامه.

ثانيًا: إذا وصل الدخان أو الجسيمات إلى الملابس أو الجلد

تُنزع الملابس الملوثة، وتوضع في كيس مغلق بعيدًا عن الأشخاص.

يُغسل الجلد والشعر جيدًا بالماء.

يجب تجنّب لمس المواد المشتبه بها مباشرة، وعدم فرك الجلد إذا وُجدت عليه جسيمات قد تكون من الفوسفور الأبيض.

في حال حدوث حرق فعلي بالفوسفور الأبيض: يجب إبقاء منطقة الحرق مغمورة أو مغطاة باستمرار بالماء أو بمحلول ملحي (Normal Saline) إن توفر، ومنع جفافها، لأن الفوسفور يشتعل تلقائيًا عند التعرض للهواء إذا جف. يُفضَّل المحلول الملحي على الماء العادي عند توفره لأنه أقل تهييجًا للأنسجة المتضررة، لكن الماء العادي فعّال وكافٍ إذا لم يتوفر المحلول الملحي، والأهم هو استمرارية الترطيب دون انقطاع. يُمنع استخدام أي مرهم أو دهان زيتي (مثل مرهم MEBO أو الفازلين أو مراهم الحروق العادية)، لأن الفوسفور الأبيض مادة قابلة للذوبان في الدهون، فقد يزيد المرهم من امتصاصه عبر الجلد ويُخفي استمرار الاشتعال تحت الجرح. يُنصح بطلب رعاية طبية إسعافية فورية حتى لو بدا الحرق سطحيًا، لأن الاحتراق قد يستمر تحت الجلد. وغالبًا ما يكون العلاج داخل المستشفى مبنيًا على سوائل وريدية (IV) لدعم الحالة العامة ومعالجة أي تسمم جهازي، إضافة إلى التنظيف الجراحي المتخصص للجرح. ومن الأدوات المهمة في التقييم الطبي، والتي لا يعرفها كثير من غير المتخصصين، هي استخدام مصباح الأشعة فوق البنفسجية (UV/Wood’s lamp) للكشف عن جزيئات الفوسفور الأبيض المتبقية داخل الجرح، حيث تتوهج هذه الجزيئات بلون مميز تحت هذا الضوء حتى لو كانت صغيرة جدًا وغير مرئية بالعين المجردة في الإضاءة العادية، مما يساعد الفريق الجراحي على إزالتها بدقة أكبر ومنع استمرار الحرق أو التسمم الموضعي.

ثالثًا: هل تفيد قطعة القماش أو المنشفة المبللة؟

إذا لم يتوفر جهاز تنفس واقٍ واضطررتم مؤقتًا إلى المرور في منطقة يتواجد فيها الدخان، يمكن وضع قطعة قماش مبللة بالماء على الأنف والفم لتقليل استنشاق بعض الدخان والجسيمات.

لكن يجب التأكيد على أن هذه الطريقة ليست وسيلة حماية موثوقة من الفوسفور الأبيض أو من الغازات والأبخرة السامة، ولا ينبغي الاعتماد عليها بدل الابتعاد عن مصدر الدخان.

ولا حاجة إلى تغطية الوجه كله بالمنشفة؛ المهم تغطية الأنف والفم مع المحافظة على القدرة على التنفس بحرية.

رابعًا: إذا كنتم داخل المنزل وشممتم الرائحة

إذا شُمّت الرائحة داخل المنزل، فالأفضل التعامل معها بحذر حتى لو لم نتأكد من أنها ناتجة عن الفوسفور الأبيض.

إذا بدأ الدخان بالدخول إلى المنزل، فغادروا إلى مكان آمن بعيدًا عن اتجاه الدخان، إذا كان الخروج ممكنًا من دون المرور عبر الدخان أو الاقتراب من مصدره.

أما إذا كان الخروج سيعرّضكم للدخان مباشرة، فالأفضل الاحتماء مؤقتًا في مكان مغلق بعيد عن مصدر التلوث، وإغلاق النوافذ والأبواب ومصادر سحب الهواء الخارجي.

ولا تقتربوا من أي مادة بيضاء أو مضيئة أو شظايا مشتعلة في الخارج، ولا تلمسوها؛ فقد يكون بعضها فوسفورًا أبيض قادرًا على إحداث حروق عميقة.

خامسًا: هل مجرد شمّ الرائحة يعني حدوث تسمم؟

إذا كانت الرائحة عابرة ولم يكن هناك دخان داخل المنزل ولم تظهر أي أعراض، فإن مجرد شمّ الرائحة لفترة قصيرة لا يعني بالضرورة حدوث تسمّم. ويعتمد الخطر على طبيعة المادة، وتركيزها، وكمية الدخان المستنشقة، ومدة التعرض.

إذا تعرّض شخص للدخان مباشرة، فيجب نقله إلى هواء نقي فورًا، مع تجنب تعريض الآخرين للدخان أثناء إنقاذه.

سادسًا: الأعراض التي تستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا

يجب مراقبة الشخص بعد التعرض، والانتباه إلى ظهور:

سعال مستمر أو شديد.

حرقة أو ألم في الحلق أو الصدر.

ضيق في التنفس.

صفير أو صعوبة في التنفس.

تهيج شديد في العينين أو اضطراب في الرؤية.

دوخة شديدة أو تدهور في الحالة العامة.

إن ظهور ضيق النفس أو أعراض تنفسية واضحة يستوجب تقييمًا طبيًا عاجلًا، لأن استنشاق الدخان قد يؤدي إلى إصابة الجهاز التنفسي والرئتين.

تنبيه مهم: قد تظهر بعض الأعراض التنفسية الخطيرة (مثل الوذمة الرئوية) بشكل متأخر، خلال 24-48 ساعة بعد التعرض، حتى لو شعر الشخص بتحسن في البداية. لذا يُنصح بمواصلة المراقبة ليوم أو يومين وعدم الاكتفاء بتقييم الساعات الأولى فقط، خاصة عند وجود أعراض تنفسية ولو خفيفة.

الفئات الأكثر عرضة للتأثر: مرضى الربو والأمراض التنفسية المزمنة، والحوامل، والأطفال، وكبار السن. يُستحسن إخلاء هذه الفئات أولًا عند إمكانية ذلك.

شارك