لبنان من الاستقلال إلى الحرب: جمهورية الرؤساء والزعامات والمرجعيات 1943–1976

الحلقة ٣

بقلم : أمين السكافي

لم يكن استقلال لبنان عن فرنسا عام 1943 ولادة دولة مكتملة السيادة بقدر ما كان بداية معركة طويلة على معنى الاستقلال نفسه. فقد أُعلن الاستقلال في 22 تشرين الثاني، لكن الجلاء الفرنسي الكامل لم يتحقق إلا عام 1946. وبين التاريخين كان لبنان يحاول أن يثبت أنه دولة لا مجرد كيان أنشأته ترتيبات الانتداب. وفي قلب هذه الولادة وُلد الميثاق الوطني، ذلك الاتفاق غير المكتوب الذي جمع الرئيس بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح، وقام على معادلة دقيقة: المسيحيون يتخلون عن طلب الحماية الأجنبية، والمسلمون يتخلون عن مشروع الوحدة مع سوريا، ولبنان يكون مستقلاً وعربياً في آن. كما كرّس عملياً توزيع الرئاسات الكبرى بين الموارنة والسنة والشيعة، ونظام التوازن الطائفي في البرلمان والإدارة.

 

كان بشارة الخوري أول رئيس للجمهورية المستقلة، وكان إلى جانبه رياض الصلح، أحد أبرز صانعي الاستقلال والوجه السني الأهم في مرحلة التأسيس. لكن الجمهورية لم تكن تُصنع في قصر القنطاري وحده(وهو المقر لروؤساء الجمهورية قبل بناء قصر بعبدا ). كان إلى جانب الخوري رجالات مثل كميل شمعون، حميد فرنجية، مجيد أرسلان، صبري حمادة، عادل عسيران وسليم تقلا، وكل منهم يمثل شبكة اجتماعية وسياسية وطائفية لها وزنها في لبنان الجديد. وتشير سجلات رئاسة الحكومة إلى تعاقب رياض الصلح وعبد الحميد كرامي وسامي الصلح وسعدي المنلا وعبدالله اليافي وصائب سلام وغيرهم في الحكومات الأولى، بما يعكس تعدد مراكز القوة منذ ولادة الجمهورية.

 

لكن عهد الخوري حمل مفارقة الجمهورية الأولى: فقد نجح في تثبيت الاستقلال، لكنه لم ينجح في تحرير الدولة من منطق الزعامة. ومع إعادة انتخابه عام 1949 واتساع نفوذ الكتلة الدستورية، تصاعدت المعارضة. وفي طليعة المنتقدين كان كمال جنبلاط، الشاب الدرزي الذي أخذ يطرح خطاباً إصلاحياً يتجاوز الزعامة التقليدية، إلى جانب شخصيات مثل كميل شمعون وإميل البستاني. وفي 1952 تشكلت جبهة سياسية معارضة طالبت بالإصلاح وإنهاء المحسوبية، فانتهى عهد الخوري باستقالته.

 

جاء كميل شمعون إلى الرئاسة عام 1952، حاملاً رؤية مختلفة: لبنان المنفتح على الغرب، صاحب الاقتصاد الحر والعلاقات الدولية الواسعة. كان من رجال الاستقلال والدبلوماسية، ثم أصبح لاحقاً زعيم حزب الوطنيين الأحرار. وفي عهده ترسخت صورة لبنان كبلد مصرفي وسياحي وتجاري وثقافي، واتسعت علاقاته الدولية. لكنه كان أكثر التصاقاً بالغرب من خصومه، في زمن كان فيه جمال عبد الناصر والمد القومي العربي يعيدان رسم المنطقة. وهكذا تحول الخلاف الداخلي حول سياسة لبنان الخارجية إلى جزء من الصراع العربي والدولي.

 

في المقابل، برز صائب سلام في بيروت ممثلاً لزعامة سنية مدينية ذات حضور عربي، وبرز عبد الحميد كرامي ثم رشيد كرامي في طرابلس والشمال، بينما كان كمال جنبلاط يتحول من زعيم درزي إلى رجل مشروع سياسي وطني إصلاحي. وعلى الجبهة المسيحية كان بيار الجميل يبني حزب الكتائب كتنظيم شعبي واسع، بينما كان ريمون إده يقدم نفسه بوصفه رجل الدولة والقانون والاستقلال، رافضاً تحويل لبنان إلى تابع لأي محور خارجي.

 

وفي الجنوب والبقاع كانت الزعامات الشيعية التقليدية ممثلة خصوصاً بـأحمد الأسعد وصبري حمادة ثم كامل الأسعد، ضمن نظام كانت فيه العائلات السياسية تؤدي دور الوسيط بين المجتمع والدولة. أما المرجعية الروحية الشيعية فكانت لا تزال في طور الانتقال من المؤسسة الدينية التقليدية إلى الدور الاجتماعي والسياسي الذي سيبلوره لاحقاً الإمام موسى الصدر.

 

ثم جاءت أزمة 1958 لتكشف هشاشة الجمهورية. اصطدم مشروع شمعون بخصومه اللبنانيين وبالتحولات الإقليمية بعد الوحدة المصرية السورية، وانقسم لبنان بين اتجاه يريد البقاء في المعسكر الغربي واتجاه يرى في العروبة وعبد الناصر امتداداً طبيعياً للبنان. وانتهت الأزمة بانتخاب فؤاد شهاب رئيساً، وبوصول قوات المارينز الأميركية إلى بيروت في ذروة الأزمة، في مشهد كشف مرة أخرى أن لبنان لا يعيش خارج صراعات المنطقة.

 

كان شهاب الاستثناء الأبرز في تاريخ الجمهورية الأولى. لم يكن زعيم طائفة بالمعنى التقليدي، بل رجل دولة آمن بأن إنقاذ لبنان يكون ببناء المؤسسات. فأطلق ما عُرف بـالشهابية: تحديث الإدارة، تقوية أجهزة الدولة، التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، تطوير مؤسسات الرقابة والإحصاء والإدارة، ومحاولة نقل لبنان من دولة الزعامات إلى دولة المؤسسات.

 

لكن مشروع شهاب اصطدم بجدار الزعامات. كميل شمعون، بيار الجميل، ريمون إده، كمال جنبلاط، صائب سلام، رشيد كرامي ومجيد أرسلان كانوا جميعاً أصحاب قواعد سياسية واجتماعية لا تستطيع الدولة تجاهلها. وهكذا بقي لبنان بين مشروعين: دولة مركزية حديثة يريدها الشهابيون، ونظام سياسي يقوم على الزعامات والتوازنات الطائفية والعائلية.

 

انتُخب شارل حلو عام 1964، وحاول المحافظة على التوازن بين المدارس السياسية المتنافسة. لكن عهده شهد حدثاً سيغير لبنان والمنطقة: حرب 1967. فقد أصبح لبنان أكثر تعرضاً لتداعيات القضية الفلسطينية، وبدأت العمليات المسلحة الفلسطينية من الجنوب تتصاعد. وفي الداخل انقسم اللبنانيون بصورة متزايدة بين من يرى أن لبنان يجب أن يكون جزءاً من الصراع العربي مع إسرائيل، ومن يخشى أن يتحول البلد إلى ساحة حرب لا قدرة له عليها.

 

وفي هذه المرحلة ظهر الإمام موسى الصدر بقوة. لم يكن مجرد رجل دين شيعي؛ بل أصبح صوتاً اجتماعياً وسياسياً للطائفة الشيعية، ورفع شعار رفع الحرمان عن الجنوب والبقاع، وأسهم في إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ثم حركة المحرومين. وهنا بدأ التحول التاريخي من الزعامة الشيعية العائلية التقليدية إلى زعامة دينية اجتماعية أكثر جماهيرية.

 

أما كمال جنبلاط فقد ذهب أبعد في الاتجاه الوطني الإصلاحي، وأصبح أحد أبرز قادة الحركة الوطنية اللبنانية، مطالباً بإصلاح النظام السياسي وإلغاء الطائفية السياسية وإعادة توزيع السلطة. وفي المقابل كان بيار الجميل وكميل شمعون وريمون إده يمثلون مدارس مسيحية مختلفة؛ فالكتائب كانت ذات تنظيم شعبي شديد الانضباط، والشمعونية أكثر ميلاً إلى الغرب والاقتصاد الحر، بينما حمل ريمون إده خطاباً سيادياً وقانونياً أكثر استقلالاً عن المحاور. وفي انتخابات 1968 ظهر الاستقطاب بوضوح بين قوى ذات توجه عربي يقودها رشيد كرامي، وقوى مسيحية ذات توجه مختلف قادها شمعون والجميل وإده.

 

ثم جاء اتفاق القاهرة عام 1969 ليضع الوجود الفلسطيني المسلح في قلب المعادلة اللبنانية. الاتفاق، الذي رعته مصر، أعطى الفلسطينيين إطاراً لتنظيم وجودهم المسلح داخل لبنان مع النص على احترام السيادة اللبنانية، لكنه في الواقع أصبح أحد مصادر اختلال ميزان القوة داخل الدولة، خصوصاً في الجنوب والمخيمات.

 

وفي 1970 انتُخب سليمان فرنجية رئيساً بفارق صوت واحد في واحدة من أكثر الانتخابات الرئاسية إثارة للجدل. كان فرنجية زعيم زغرتا، ويمثل مدرسة الزعامة المارونية الشمالية التقليدية، وقد ارتبط بعلاقات عربية وإقليمية واسعة، خصوصاً مع سوريا. إلى جانبه بقي بيار الجميل وكميل شمعون وريمون إده وكمال جنبلاط ورشيد كرامي وصائب سلام وغيرهم مراكز قوة مستقلة عن الرئاسة. وتؤكد المصادر الرسمية أن فرنجية تسلم الرئاسة في 23 أيلول 1970، وأن عهده انتهى في 22 أيلول 1976.

 

لكن لبنان في عهد فرنجية كان قد دخل مرحلة مختلفة. لم تعد المشكلة مجرد خلاف على توزيع السلطة، بل أصبحت الدولة نفسها عاجزة عن احتكار القوة. فالمقاومة الفلسطينية المسلحة، والأحزاب اللبنانية، والميليشيات، والانقسام حول هوية لبنان ودوره العربي، كلها راحت تتقدم على مؤسسات الجمهورية.

 

وفي 13 نيسان 1975 انفجر ما كان قد تراكم لسنوات. حادثة عين الرمانة لم تكن وحدها سبب الحرب، بل كانت الشرارة التي أشعلت بنية كاملة من التناقضات: أزمة النظام الطائفي، اختلال التوازن الاجتماعي، القضية الفلسطينية، ضعف الدولة، صراع الزعامات، والتدخلات العربية والدولية. وهكذا دخل لبنان الحرب الأهلية، فيما تحول الزعماء الذين كانوا يصنعون السياسة داخل المؤسسات إلى قادة جبهات ومقاتلين خارجها.

 

وبحلول 1976 كان عهد فرنجية يقترب من نهايته، وكان لبنان قد فقد شيئاً أساسياً من جمهوريته الأولى. فقد نجحت مرحلة 1943–1975 في بناء جامعة ومصرف ومطار وإدارة وجيش واقتصاد وصحافة وسياحة وحياة ثقافية جعلت بيروت واحدة من أهم مدن العالم العربي؛ لكنها لم تنجح في بناء المواطن اللبناني بوصفه مواطناً قبل أن يكون ابن طائفة أو عائلة أو زعامة.

 

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لم يكن لبنان قبل الحرب دولة فاشلة، بل كان دولة ناجحة في الاقتصاد والثقافة والانفتاح، وناقصة في السياسة والمواطنة. كان فيه بشارة الخوري وريـاض الصلح، وشمعون وشهاب وحلو وفرنجية؛ وكان فيه الجميل وإده وجنبلاط والأسعد وحمادة وكرامي وسلام والصدر وأرسلان؛ أي كان فيه عشرات الرجال الذين صنعوا لبنان كلٌ من موقعه ورؤيته.

 

لكن المشكلة أن هؤلاء لم يستطيعوا أن يتفقوا على لبنان واحد إلا عندما كان الخطر خارج الحدود، وحين أصبح الصراع على من يملك لبنان ومن يحدد هويته ومن يحتكر قراره أقوى من فكرة الدولة نفسها، انهارت الجمهورية الأولى.

 

وهكذا لم تكن 13 نيسان 1975 بداية تاريخ جديد بقدر ما كانت النهاية الدامية لثلاثة عقود من تجربة الاستقلال الأولى؛ تجربة بنت دولة حديثة، لكنها تركت سؤالها الأكبر بلا جواب: هل لبنان وطن لجميع أبنائه، أم تسوية دائمة بين زعاماته وطوائفه ؟

 

لكن لبنان في عهد فرنجية كان قد دخل مرحلة مختلفة. لم تعد المشكلة مجرد خلاف على توزيع السلطة، بل أصبحت الدولة نفسها عاجزة عن احتكار القوة. فالمقاومة الفلسطينية المسلحة، والأحزاب اللبنانية، والميليشيات، والانقسام حول هوية لبنان ودوره العربي، كلها راحت تتقدم على مؤسسات الجمهورية.

 

وفي 13 نيسان 1975 انفجر ما كان قد تراكم لسنوات. حادثة عين الرمانة لم تكن وحدها سبب الحرب، بل كانت الشرارة التي أشعلت بنية كاملة من التناقضات: أزمة النظام الطائفي، اختلال التوازن الاجتماعي، القضية الفلسطينية، ضعف الدولة، صراع الزعامات، والتدخلات العربية والدولية. وهكذا دخل لبنان الحرب الأهلية، فيما تحول الزعماء الذين كانوا يصنعون السياسة داخل المؤسسات إلى قادة جبهات ومقاتلين خارجها.

 

وبحلول 1976 كان عهد فرنجية يقترب من نهايته، وكان لبنان قد فقد شيئاً أساسياً من جمهوريته الأولى. فقد نجحت مرحلة 1943–1975 في بناء جامعة ومصرف ومطار وإدارة وجيش واقتصاد وصحافة وسياحة وحياة ثقافية جعلت بيروت واحدة من أهم مدن العالم العربي؛ لكنها لم تنجح في بناء المواطن اللبناني بوصفه مواطناً قبل أن يكون ابن طائفة أو عائلة أو زعامة.

 

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لم يكن لبنان قبل الحرب دولة فاشلة، بل كان دولة ناجحة في الاقتصاد والثقافة والانفتاح، وناقصة في السياسة والمواطنة. كان فيه بشارة الخوري وريـاض الصلح، وشمعون وشهاب وحلو وفرنجية؛ وكان فيه الجميل وإده وجنبلاط والأسعد وحمادة وكرامي وسلام والصدر وأرسلان؛ أي كان فيه عشرات الرجال الذين صنعوا لبنان كلٌ من موقعه ورؤيته.

 

لكن المشكلة أن هؤلاء لم يستطيعوا أن يتفقوا على لبنان واحد إلا عندما كان الخطر خارج الحدود، وحين أصبح الصراع على من يملك لبنان ومن يحدد هويته ومن يحتكر قراره أقوى من فكرة الدولة نفسها، انهارت الجمهورية الأولى.

 

وهكذا لم تكن 13 نيسان 1975 بداية تاريخ جديد بقدر ما كانت النهاية الدامية لثلاثة عقود من تجربة الاستقلال الأولى؛ تجربة بنت دولة حديثة، لكنها تركت سؤالها الأكبر بلا جواب: هل لبنان وطن لجميع أبنائه، أم تسوية دائمة بين زعاماته وطوائفه ؟

شارك