اتفاق الطائف: كيف وُلد الاتفاق الذي أنهى الحرب ولم يُنجز الدولة؟

 

بقلم: أمين السكافي. (الحلقة ٥)

 

لم يكن اتفاق الطائف حدثاً عابراً في تاريخ لبنان، ولم يكن مجرد اجتماع لنواب لبنانيين في مدينة سعودية. كان محاولة لإعادة صياغة لبنان بعد خمسة عشر عاماً من الحرب، وإعادة توزيع السلطة بين طوائفه، وإعادة تعريف العلاقة بين رئيس الجمهورية والحكومة ومجلس النواب، ووضع حدّ لحالة الميليشيات والسلاح خارج الدولة.

 

لكن السؤال الذي بقي بعد أكثر من ثلاثة عقود ليس فقط: ماذا قال الطائف؟ بل: ماذا نفّذ لبنان منه، وماذا ترك، وماذا أضيف إليه في مرحلة الوصاية السورية، وهل كان الطائف اتفاقاً لبنانياً أم تسوية عربية ودولية فرضتها موازين القوى؟

 

كيف وصل لبنان إلى الطائف؟

 

في عام 1989 كان لبنان قد أنهكته حرب بدأت في 13 نيسان 1975. الدولة مقسمة، الجيش منقسم، بيروت مقسومة، الميليشيات تسيطر على الأرض، إسرائيل تحتل أجزاء من الجنوب، والقوات السورية موجودة في مناطق واسعة من البلاد.

 

وفي ذلك العام جاءت اللجنة العربية الثلاثية المنبثقة من قمة الدار البيضاء، والمؤلفة من السعودية والمغرب والجزائر، برئاسة الملك الحسن الثاني وعضوية الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد والملك السعودي فهد بن عبد العزيز. وتولى وزراء خارجية الدول الثلاث، سعود الفيصل، عبد اللطيف الفيلالي، وسيد أحمد غزالي، متابعة المسار التفاوضي.

 

وكان للسعودية الدور الأبرز في استضافة المفاوضات وتأمين المناخ السياسي لها، فيما كان للجامعة العربية إطار الرعاية العربية العامة.

 

وفي المقابل كان داخل لبنان مسار سياسي قاده رئيس مجلس النواب آنذاك حسين الحسيني، الذي لعب دوراً أساسياً في صياغة الأفكار اللبنانية التي سبقت الوثيقة النهائية.

 

في 30 أيلول 1989 وصل إلى الطائف 62 نائباً من أصل 73 نائباً كانوا ما زالوا أحياء من أصل مجلس مؤلف أصلاً من 99 نائباً انتُخبوا عام 1972. وكان التوازن الطائفي في الحضور 31 نائباً مسلماً و31 نائباً مسيحياً.

 

ومن أبرز الحاضرين: حسين الحسيني، صائب سلام، رشيد الصلح، رينيه معوض، إلياس الهراوي، بطرس حرب، جورج سعادة، إدمون رزق، نزيه البزري، ميشال ساسين، علي الخليل، محمد يوسف بيضون، عبد اللطيف الزين، نجاح واكيم، ألبير منصور، مخايل الضاهر، طلال المرعبي، عبد المجيد الرافعي وغيرهم.

 

أما من أبرز الذين لم يشاركوا لأسباب سياسية فكانوا ريمون إده، ألبير مخيبر وإميل روحانا صقر، فيما تعذر حضور آخرين لأسباب صحية أو شخصية.

 

ومن المفارقات التاريخية أن أمراء الحرب أنفسهم لم يكونوا هم أطراف التفاوض المباشرين؛ فالذين جلسوا حول الطاولة كانوا النواب، فيما كانت القوى العسكرية والسياسية الموجودة على الأرض تراقب وتؤثر من الخارج، لأن أي اتفاق لن يستطيع الحياة إذا رفضه أصحاب السلاح.

 

ماذا جرى في الطائف؟

 

استمرت المداولات نحو 23 يوماً، ولم تكن سهلة. اصطدم النواب خصوصاً بقضايا حساسة: صلاحيات رئيس الجمهورية، دور مجلس الوزراء، المناصفة، إلغاء الطائفية السياسية، الوجود السوري، وسلاح الميليشيات.

 

وكانت المفاوضات تتعثر ثم تستأنف. وتشير المصادر إلى أن رفيق الحريري لعب دوراً مهماً خلف الكواليس في مرحلة من المفاوضات، بينما كانت اللجنة العربية تضغط باتجاه الوصول إلى صيغة نهائية.

 

وفي النهاية ظهرت وثيقة الوفاق الوطني اللبناني في 22 تشرين الأول 1989، ووافق عليها 58 نائباً من أصل 62 في الجلسة النهائية وفق التقارير المعاصرة، فيما امتنع حسن الرفاعي، وخرج نائبان، ولم يشارك إدوار حنين لأسباب صحية.

 

وهنا يجب تصحيح فكرة شائعة: الطائف لم يكن دستوراً جديداً بالكامل، بل وثيقة وفاق تضمنت تعديلات جوهرية على الدستور اللبناني، دخل القسم الأكبر منها لاحقاً في التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 1990.

 

ماذا أضاف الطائف إلى الدستور؟

 

أهم تحول كان إعادة توزيع السلطة التنفيذية.

 

قبل الطائف كان رئيس الجمهورية يتمتع بصلاحيات واسعة جداً، بينما نقل الاتفاق مركز الثقل إلى مجلس الوزراء مجتمعاً. أصبح رئيس الجمهورية رئيس الدولة ورمز وحدتها، بينما أصبحت السلطة التنفيذية منوطة بمجلس الوزراء. وأصبحت قرارات المجلس تتخذ وفق آليات جماعية بدلاً من تركيز القرار في الرئاسة.

 

أما مجلس النواب، فانتقل إلى قاعدة جديدة: المناصفة بين المسلمين والمسيحيين بدلاً من صيغة التوزيع القديمة التي كانت تعطي المسيحيين أغلبية نيابية.

 

ورفع الطائف عدد النواب إلى 128 نائباً، مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وهي الصيغة التي دخلت الدستور. كما نص على أن تكون الدائرة الانتخابية هي المحافظة في المرحلة الانتقالية.

 

وفي المقابل وضع الاتفاق هدفاً بالغ الأهمية: إلغاء الطائفية السياسية.

 

لكن المفارقة أن الطائف لم يلغها فوراً؛ بل جعل إلغاءها هدفاً وطنياً، ونص على إنشاء هيئة وطنية تدرس كيفية الانتقال إليها، مع استمرار المناصفة في المرحلة الانتقالية.

 

وأضاف كذلك فكرة اللامركزية الإدارية الموسعة، وتعزيز دور المحافظين والقائمقامين والبلديات، وإنشاء مجلس دستوري، وتدعيم استقلال القضاء، وتعزيز الرقابة البرلمانية.

 

كما كرّس في مقدمته مبادئ أساسية: لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والانتماء، جمهورية ديمقراطية برلمانية، والشعب مصدر السلطات، ولا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.

 

وماذا قال عن السلاح والسيادة؟

 

ربما كان أخطر بند عملي هو النص على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة خلال ستة أشهر من استكمال الخطوات الدستورية والسياسية المحددة في الاتفاق.

 

وهنا بدأ لاحقاً أحد أكبر الجدل اللبناني حول الطائف: هل نُفذ هذا البند كاملاً؟

 

الجواب التاريخي هو: لا.

 

حُلّت معظم الميليشيات اللبنانية أو تحولت إلى أحزاب سياسية، لكن مسألة سلاح المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي أخذت مساراً مختلفاً، كما أن وجود القوات السورية في لبنان استمر حتى عام 2005.

 

وهذا أحد أهم أسباب استمرار الجدل حول الطائف حتى اليوم.

 

هل أوقف الطائف الحرب؟

 

هنا يجب أن نكون دقيقين.

 

الطائف أنهى الحرب سياسياً، لكنه لم يوقف القتال فوراً.

 

بعد اتفاق تشرين الأول 1989 بقي ميشال عون في قصر بعبدا ورفض التسوية، واستمرت المعارك حتى 13 تشرين الأول 1990، عندما أنهت العملية العسكرية السورية المرحلة الأخيرة من الحرب.

 

أي أن الطائف كان الإطار السياسي الذي مهّد لإنهاء الحرب، وليس الرصاصة الأخيرة التي أوقفتها.

 

وهذه نقطة جوهرية: الاتفاق أعطى الشرعية السياسية لإعادة بناء الدولة، ثم ساعدت موازين القوى الإقليمية والدولية على فرض تنفيذ التسوية.

 

إيجابيات الطائف

 

إذا نظرنا إليه بموضوعية، فإن أهم حسناته أنه أوقف حرباً أهلية استمرت 15 عاماً، وأعاد إنتاج مؤسسات الدولة، وأعاد توزيع السلطة بصورة أكثر توازناً بين المسلمين والمسيحيين، ورسخ مبدأ المناصفة، ونقل لبنان من نظام كانت فيه الرئاسة شديدة القوة إلى نظام أكثر جماعية في السلطة التنفيذية.

 

كما أنه وضع للمرة الأولى بصورة واضحة هدف إلغاء الطائفية السياسية، ونص على اللامركزية، والمجلس الدستوري، واستقلال القضاء، والإنماء المتوازن.

 

والأهم أنه أعاد الاعتراف بأن لبنان دولة واحدة لا يجوز تقسيمها، وأن لا شرعية لأي سلطة تناقض العيش المشترك.

 

وسيئات الطائف وثغراته

 

لكن الطائف حمل في داخله تناقضاته.

 

فهو أراد إلغاء الطائفية السياسية، لكنه كرس المناصفة الطائفية في مجلس النواب.

 

وأراد دولة قوية، لكنه لم يضع آلية تنفيذية صارمة وسريعة تضمن احتكارها الكامل للسلاح.

 

وأراد اللامركزية، لكنه أبقى الدولة شديدة المركزية ولم ينفذ هذا البند بصورة كاملة.

 

كما أن توزيع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء فتح لاحقاً الباب أمام أزمات التعطيل والتوافق القسري، إذ أصبحت القرارات الكبرى تحتاج إلى توافقات طائفية وسياسية واسعة.

 

والأخطر أن التطبيق لم يكن دائماً مستقلاً عن موازين القوى الإقليمية. فقد تزامن تنفيذ الطائف مع مرحلة أصبحت فيها سوريا صاحبة النفوذ العسكري والسياسي الأبرز في لبنان، ولذلك يرى منتقدوه أن الطائف الذي كان يفترض أن يعيد السيادة إلى الدولة انتهى في مرحلته الأولى إلى إعادة بناء الدولة تحت مظلة سورية.

 

وهذا لا يلغي أن الاتفاق كان في جوهره تسوية لبنانية عربية أنهت حرباً مدمرة، لكنه يفسر لماذا بقيت عبارة «تطبيق الطائف» موضع خلاف حتى اليوم.

 

الطائف: إنجاز أم تسوية ناقصة؟

 

ربما يكون الحكم الأكثر عدلاً أن الطائف كان نجاحاً تاريخياً في إنهاء الحرب، لكنه مشروعاً غير مكتمل في بناء الدولة.

 

لقد نجح في شيء عجز عنه اللبنانيون طوال خمسة عشر عاماً: جعل المتقاتلين يقبلون، ولو تدريجياً، بفكرة أن لا أحد يستطيع إلغاء الآخر.

 

لكنه لم ينجح في نقل لبنان بالكامل من دولة الطوائف إلى دولة المواطنين.

 

ولهذا بقي الطائف حياً في السياسة اللبنانية بعد أكثر من ثلاثة عقود: ليس لأنه حلّ كل مشاكل لبنان، بل لأنه وضع قواعد جديدة للصراع، بعضها طُبق، وبعضها جُمّد، وبعضها أُفرغ من مضمونه.

 

والسؤال الذي ربما يجب أن يُطرح اليوم ليس: هل نريد الطائف أم لا؟

 

بل:

 

هل المشكلة في الطائف نفسه، أم في أن لبنان لم ينفذ الطائف الذي اتُّفق عليه؟

 

فالوثيقة الأصلية كانت تقول شيئاً واضحاً: دولة واحدة، جيش واحد، سلطة واحدة، شراكة متوازنة، إنماء متوازن، ولا شرعية للخروج على ميثاق العيش المشترك.

 

أما ما حدث بعد ذلك، فهو قصة أخرى.

 

قصة لبنان الذي أخذ من الطائف المناصفة، لكنه لم يأخذ إلغاء الطائفية؛ أخذ مجلس الوزراء، لكنه لم يتعلم دائماً كيف يحكم؛ أخذ الدولة، لكنه لم يستكمل احتكارها للسلاح؛ وأخذ السلام، لكنه لم ينجز المصالحة الوطنية الكاملة.

 

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الطائف أوقف الحرب، لكنه لم ينجح حتى الآن في منع الأسباب التي تجعل اللبنانيين يخافون من عودتها .

شارك